عندما تطأ قدماك أرض الصين بصفة مستثمر أجنبي، فأنت لا تدخل سوقًا ضخمًا فحسب، بل تدخل عالمًا من التعقيدات الإدارية والقانونية التي قد تكون شائكة في كثير من الأحيان. لطالما شبهتُ عملية تنفيذ العقود في الصين بالمشي على حبل مشدود؛ فالنص المكتوب في العقد شيء، والتطبيق الفعلي على أرض الواقع شيء آخر تمامًا. على مدى 14 عامًا من عملي في تقديم خدمات تسجيل الشركات الأجنبية وإدارتها، رأيتُ العديد من المستثمرين الذين أُعجبوا ببساطة الإجراءات في بلادهم، ليجدوا أنفسهم في متاهة من المتطلبات التنظيمية غير المتوقعة في الصين. ليست المشكلة دائمًا في القانون الصيني نفسه، بل في كيفية تفسيره وتطبيقه، وفي الفجوة بين ما هو مكتوب وما هو مُنفَّذ.
تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في السنوات الأخيرة، خاصة مع التحديثات المستمرة لقانون العقود الصيني وتطبيق مبادئ "النوايا الحسنة" و"مكافحة الفساد" بشكل أكثر صرامة. الشركات الأجنبية التي كانت تعتمد على عقود نموذجية جاهزة من أسواقها الأم تجد أنها غير كافية، وقد تؤدي إلى نتائج عكسية. لذلك، أود اليوم أن أشارككم خلاصة تجربتي في هذا المجال، ليس كخبير قانوني نظري، بل كممارس عايش مئات الحالات الميدانية، لعلّ هذه الرؤى تساعدكم على تجنب المزالق التي وقع فيها غيركم، وتجعلكم أكثر استعدادًا للتحديات الفعلية لإدارة المخاطر التعاقدية داخل الصين.
فهم البيئة التشريعية
أول ما يجب على أي شركة أجنبية استيعابه بعمق هو أن النظام القانوني الصيني يتبع مبادئ القانون المدني، وليس القانون العام كما هو الحال في بريطانيا أو أمريكا. هذا يعني أن القوانين المكتوبة واللوائح التنفيذية هي المصدر الأساسي للحقيقة القانونية، وليس السوابق القضائية كما اعتدتم عليه في أسواق أخرى. فبينما قد تعتمد محكمة أمريكية على حكم سابق في قضية مشابهة، فإن المحكمة الصينية ستنظر أولًا إلى النص القانوني وتفسيراته الرسمية الصادرة عن محكمة الشعب العليا. هذا التمييز ليس أكاديميًا، بل له آثار ملموسة على كيفية صياغة العقود وإدارتها. فعندما نصوغ شرطًا جزائيًا أو بندًا للتعويض، علينا التأكد من أنه يتماشى مع المبادئ العامة في قانون العقود الصيني، وليس مجرد نسخ بنود من عقد أجنبي بنجاح في بلد آخر.
من جهة أخرى، يجب التنبه إلى أن النظام التشريعي الصيني ليس ثابتًا؛ فهو في حالة اندماج مستمر مع الممارسات الدولية، خاصة منذ دخول الصين منظمة التجارة العالمية. غير أن هذا الاندماج لا يعني التطابق؛ فهناك "خصائص صينية" واضحة في بعض المجالات، مثل قوانين العمل الأكثر حماية للعمال، وقوانين البيئة الصارمة بشكل متزايد. أتذكر حالة شركة ألمانية متخصصة في المعدات الثقيلة، وقعت عقد توريد مع شركة صينية محلية، دون أن تولي اهتمامًا كافيًا للوائح المحلية المتعلقة بمعايير السلامة الصناعية في مدينة تيانجين. هذه اللوائح كانت أكثر تشددًا من المعايير الوطنية العامة، مما أدى إلى تعطيل المشروع لعدة أشهر وتكاليف إضافية باهظة. نصيحتي لكم هنا أن تعقدوا ورش عمل داخلية لفهم التشريعات المحلية في المدينة التي تعملون بها، وأن تجعلوا مسؤولكم القانوني المحلي جزءًا أساسيًا من فريق التفاوض المبكر، وليس مجرد مراجع للعقد في المراحل النهائية.
بالإضافة إلى ذلك، لا ينبغي الاستهانة بأهمية التفسيرات القضائية الصادرة عن محكمة الشعب العليا، فهذه التفسيرات تعتبر بمثابة "قانون معياري" في الواقع العملي، لأنها توجه كيف تنظر المحاكم الدنيا في القضايا وتعطي للقضاة معايير موحدة للفصل في النزاعات. على سبيل المثال، أحد أهم التفسيرات القضائية المتعلقة بعقود الاستثمار الأجنبي يحدد بالتفصيل كيف يمكن تفسير البنود الغامضة، وما هي مدة التقادم القانونية للطعن في بعض القرارات الإدارية. يجب على فرقكم القانونية ألا تكتفي بقراءة النصوص التشريعية الأساسية، بل تتابع بشكل دوري هذه التفسيرات التوجيهية، لأن إهمالها يعني مخاطرة كبيرة في فهم الوضع القانوني الحقيقي. أنا شخصيًا أحرص على حضور جلسات مراجعة لآخر المستجدات القضائية قبل تقديم استشاراتي لعملائي، لأن هذه المعلومات ليست ترفًا فكريًا، بل سلاحًا عمليًا في إدارة المخاطر.
اعتماد طرق الحل الودّي
في الصين، يظهر استعصاء كبير عند اللجوء المباشر للتقاضي في النزاعات التجارية، ليس فقط بسبب مشاكل التطبيق الفعلي للقانون، بل أيضًا بسبب الثقافة التجارية المحلية التي تتجنب المواجهة العلنية إلى أبعد الحدود. هذا الواقع يفرض على الشركات الأجنبية أن تعيد التفكير في استراتيجيات إدارة النزاعات لديها، وألا تنظر إلى الشرط التحكيمي في العقد كأنه مجرد إجراء شكلي لا يُفعَّل إلا كآخر حلول، بل كأداة حضارية لحفظ العلاقات التجارية الطويلة الأمد. الكثيرون ممن عملوا معي يعلمون أنني أحيانًا أضطر إلى تعديل لهجتي، فأقول لهم بوضوح: بال Chinese business, إذا رفعت دعوى قضائية ضد شريكك في السنة الأولى، ستجد صعوبة مضاعفة في العثور على شركاء جدد في السنة الثانية، حتى لو انتصرت في القضية، لأن السمعة تتأثر بذلك بعمق. هذه ليست مبالغة، بل واقع نعيشه لسنوات طويلة.
من ضمن آليات الحل الودّي التي أروج لها باستمرار، ولا سيما في مذكراتي التوجيهية لعملائي، هي تفعيل "وساطة لجنة التحكيم السابقة للتقاضي" أو ما يُعرف بـ"وساطة المركز القضائي" التابعة لمحكمة الشعب. تتميز هذه الوساطة بسرية تامة، وتُدار من قبل جهات غير رسمية، وتُستخدم فيها لغة دبلوماسية بعيدة عن التجريح والاتهامات المباشرة. التكلفة المادية للوساطة تمثل نحو 10% فقط من تكلفة تقييد دعوى أمام نفس المحكمة، لكن الحفاظ على سرية التفاصيل وجهود إقناع الطرف الآخر لتقديم تنازلات في جلسات مشتركة تظل هي الجوهر الحقيقي للوساطة التجارية في الصين، حيث يتم تقديم "التنازلات المتبادلة" كدليل على النوايا الحسنة لكل طرف، وليس كخسارة أو هزيمة كما قد تُفسَّر في الثقافات الأخرى الأكثر عدوانية في التفاوض.
لكن هذا لا يعني أن التحكيم الدولي غير ذي قيمة في الصين؛ على العكس تمامًا، فهو الطريق الأكثر موثوقية عندما يتعلق الأمر بعقود كبيرة بين شركات أجنبية وأطراف صينية كبرى، خاصة تلك الخاضعة لأنظمة متخصصة مثل هيئة التحكيم الاقتصادي والتجاري الدولي الصينية (CIETAC). أنا أتذكر قضية طيار لشركة أغذية كندية استطاعت من خلال التحكيم في CIETAC أن تحصل على تعويض قدره 4 ملايين دولار أمريكي من شركة صينية لتوزيع الأغذية، بعد أن فشلت محاولات التسوية الودية لمدّة تسعة أشهر كاملة. هذه القضية وغيرها تثبت أن التحكيم هو حل اجرائي لا يجب إغفاله، وأنه يمكن أن يكون أكثر كفاءة من التقاضي التقليدي في بعض القضايا، لكن تذكروا دائمًا أن كتابة شرط تحكيم فعال في العقد يتطلب دقة صياغة وتحديدًا واضحًا لمركز التحكيم وقواعده، وقد رأيت عقودًا بشرط تحكيم غير مكتمل كاد أن يُجهض حق المستثمر الأجنبي في اللجوء لهيئة تحكيم مناسبة وقت حدوث النزاع.
صياغة الشروط المالية
لطالما سألني المستثمرون، خاصة القادمين من منطقة الخليج العربي، عن كيفية ضبط البنود المالية في عقودهم التجارية في الصين، فالدقة هنا ليست مجرد تحصين للمخاطر، بل هي أحد الأسباب التي تجعل التمويل أمرًا مستدامًا في سوق يتسم بتعقيد أنظمة الضرائب والرسوم. الجانب الأول الذي يجب الانتباه له بعناية فائقة هو تحرير العملة وسعر الصرف المتغير. في الصين، معظم الفواتير والدفعات تُحرر باليوان الصيني (الرنمينبي)، ولكن بعض العقود الكبيرة أو عقود الاستيراد والتصدير قد تحدد مبالغها بالدولار الأميركي أو اليورو، وهذا يفتح بابًا لخطر تقلبات العملة، التي قد تحوّل الصفقة الرابحة إلى خاسرة في غضون أشهر قليلة. من الممارسات التي أعلّمها دائمًا للعملاء هي إدراج "بند معادلة سعر الصرف"، الذي ينص على أنه إذا تحرك سعر الصرف بنسبة تتجاوز، وليكن 3٪، خلال فترة تنفيذ العقد، فيحق للطرف المتضرر إعادة التفاوض أو تعديل السعر. هذا البند ليس مجرد حماية نظرية، بل وجدت أنه فعّال جدًا على أرض الواقع عندما كنت أعمل مع إحدى الشركات الإماراتية المتعاقدة مع ميناء شنغهاي الدولي.
أما الجانب الثاني فتكمن خطورته في "بنود الدفع المرحلي ومواعيد الاستحقاق"، وخصوصًا فيما يتعلق بربط الدفعات بالتسليم الفعلي للمستندات أو البضائع، وتحديد غرامات التأخير بشكل مباشر وحاسم. في السوق الصينية، الشائع هو أن تدفع الأطراف نسبة تتراوح بين 20% و30% كدفعة مقدمة عند توقيع العقد، على أن تُسدَّد بقية المبالغ عبر دفعات مصحوبة بمستندات الشحن والفحص المؤكدة لكل مرحلة. لكن هنالك سوء فهم شائع لدى الأجانب بأن الدفعة المقدمة تُعد ضمانًا لتنفيذ الطرف الآخر للمشروع، وهذا غير دقيق؛ لأن النسبة المقدمة في الثقافة التجارية الصينية هي أداة لإظهار الجدية والالتزام، وليست ضمانًا لتنفيذ كامل الالتزامات على المدى البعيد. لذلك، أقترح دائمًا إضافة بند في نهاية جدول الدفعات ينص على اقتطاع نسبة 5% من كل دفعة كضمان للأداء، تُودع في حساب مصرفي مشترك وتُحرر للطرف المنفذ خلال 30 يومًا بعد انتهاء عقد الضمان الفعلي للمشروع أو الآلات الجماعية. أتذكر من التجربة أن أكثر الخلافات إيلامًا في هذا الصدد هي تلك المرتبطة بتأخر فك الضمانات البنكية بعد انتهاء المشاريع، مما يربك السيولة المالية للشركة.
في الواقع، الجانب الثالث والأكثر حساسية في الشروط المالية هو البند المتعلق بالضريبة على القيمة المضافة وتكلفتها، ففي الصين يتم تطبيق ضريبة القيمة المضافة وفقًا لطبيعة الخدمة أو السلعة، وهناك تخفيضات نسْبِية خاصة لبعض الأنشطة مثل الإنتاج الصناعي المتطور وتكنولوجيا المعلومات، كما توجد قواعد أكثر صعوبة في استرداد هذه الضريبة للشركات الأجنبية التي ليس لها فرع محلي. إنني ألح على عملائي أن يتأكدوا بوضوح من صياغة مبدأ "من يتحمل فرق الضريبة" في العقد، لأنه يحدث في 30٪ من العقود أن يفاجأ أحد الأطراف بضريبة إضافية لم يتم الاتفاق عليها، وهي من النزاعات المأساوية التي تؤدي إلى تجميد المشاريع. و أخيرا، استخدم دائمًا مصطلح "فواتير بضريبة صفرية" أو "فواتير كاملة الضريبة" بدلاً من إجازة الأمر للمحاسب المحلي لفهمه بطريقته الخاصة، فالتفاصيل المالية الدقيقة قد تكون مملة، لكنها بالفعل تكون حبل النجاة للشركات الأجنبية داخل الصين.
معايير التفتيش الحكومي
قبل سنوات، وفور بدء تقديم الاستشارات حول بيئة الأعمال في الصين، كنت أظن أن الالتزام بالعقد والشروط المالية يكفي لتسيير الأعمال بسلاسة، لكن اكتشفت بسرعة أن معايير التفتيش الحكومي تُعد عاملًا مفاجئًا يلعب دورًا كبيرًا في تحديد المخاطر التشغيلية في الصين، ولا سيما على مستوى المناطق الصناعية. كل حكومة محلية في الصين لديها صلاحية لإصدار أنظمة تفتيش خاصة بالسلامة الصناعية والبيئة في منطقتها، مما يعني أن النشاط التجاري الملتزم تمامًا في مدينة قوانغتشو قد يجد نفسه مخالفًا اللوائح في مدينة تشنغدو المجاورة بـ 800 كيلومتر فقط. أحد العوامل الهامة هنا هو البند الذي يُطلق عليه تقنيًا "الامتثال بالمعايير المحلية الأعلى"، وفيه تنص أطراف العقد على أن المورد أو المقاول ملزم بتطبيق ليس فقط القوانين الوطنية، بل أي أنظمة إقليمية وبلدية، وفي حال حدوث تعارض بينها، يُطبَّق المعيار الأكثر صرامة، ويُحمّل الطرف الآخر تكاليف الامتثال الإضافية إذا كانت غير متوقعة في وقت التوقيع.
خصيصًا للشركات الصناعية المتعاقدة في القطاعات الحساسة بيئيًا، مثل صناعة البطاريات أو الكيماويات، فإن معايير التفتيش تُشدد تدريجيًا بشكل يكاد يكون سنويًا، ولن تكتفي جهة حكومية بعقد موقّع يتجاهل أنظمة حماية البيئة الجديدة التي صدرت قبل أشهر. من تجربتي، كانت إحدى الصعوبات العملية التي وجدت نفسي أشرحها لعملائي من المصانع الاستثمارية المتوسطة هي أن "البند البيئي" في العقود الدولية المعتمدة في أوروبا يشير فقط إلى ضرورة الامتثال للتشريعات الوطنية، لكن الواقع الصيني يتطلب تعريفًا محددًا بالتزامات تتضمن التراخيص المسبقة، وخطط إدارة النفايات، والفحص الدوري للمعدات. لا يجب أن تكون مسودة العقد طريقًا للهروب من المسؤولية البيئية عبر الصياغات الفضفاضة، لأن السلطات تستطيع اكتشاف هذه الثغرات وتفرض غرامات واضحة تصل لوقف الإنتاج، وأحيانًا إلغاء تراخيص تشغيل المشروع كاملاً.
علاوة على ذلك، يستدعي التفتيش المعملي في مجال اللوائح الغذائية والصيدلانية إجراء فحوصات دقيقة على العينات والتصريحات الصحية، ومن الأفضل أن يوكّل العمل شركة متخصصة محلية للإشراف على العلاقات التنظيمية، وإعداد الملفات الموحدة اللازمة للتفتيش الوزاري. في النهاية، أقول إن أفضل استراتيجية للتعامل مع معايير التفتيش الحكومي هي الاحترافية الاستباقية، أي أن يكون لديك سجل داخلي يوثق مراجعاتك البيئية والسلامة المهنية، وأن تجري استشارة غير معلنة جامعية قبل «التفتيش الودي» السنوي الذي يسبق تفتيش الموظفين الفعلي؛ فالجودة الإدارية هنا تعكس نضجك في إدارة المخاطر أكثر من أي تقنية قانونية ذكية.
عقبات الالتزام الجمركي
أود هنا مخاطبة المستثمرين الذين يقومون بمشاريع تنفيذ عقود مترافقة مع استيراد سلع أو آلات من خارج الصين، لأنه توجد حقيقة مزعجة غالبًا ما تظهركم أمام المحاكم أو مكاتب الجمارك الصينية بين يومٍ وليلة، وهي أن الرحلة الجمركية للبضائع ليست مجرد إجراءات تخليص، بل هي إحدى أكبر مناطق الاختباء للمخاطر المالية، خاصةً فيما يتعلق بتقييم البضائع وإعادة تصديرها. مثال حي على ذلك، شركة أوروبية لتصنيع آلات التعبئة والتغليف أبرمت عقد تركيب خط إنتاج مع شركة صينية كبرى في مدينة سوجو، وتم الاتفاق على توريد المعدات الأساسية من ألمانيا على سبيل الإعارة المؤقتة ليتم تركيبها في المصنع المحلي لمدة ثلاث سنوات. المشكلة حدثت عندما لم تقم الشركة الأجنبية بمعالجة متطلبات الإدخال المؤقت الجمركي بشكل دقيق، مما أدى إلى اعتبار الجمارك المعدات "مستوردة نهائيًا"، وبالتالي فرضت رسومًا جمركية ضخمة بأثر رجعي مع غرامات مالية. هذا النوع من الحوادث ليس نادرًا إطلاقًا، فالعقود التي تتطلب دخول سلع مؤقتاً، مما يستلزم بندًا تفصيليًا يحدد المسؤوليات الجمركية بين الطرفين، وتحديد الجهة المالكة التي ستقوم بسداد رسوم الدخول، وتوقيت الخروج.
عادةً، عندما نقوم بإعداد بنود الاستيراد في عقودنا البحثية، نحرص على أن نوضح «طبيعة الاستيراد: نهائي أو مؤقت» في صفحات مستقلة، وأن نضمّن في هذه الصفحات التزامات كل طرف بتقديم «مستندات إفصاح المصنع والتاجر» والتوريد عن شهادات المنشأ، وقد نذهب إلى أبعد من ذلك بتحديد شركة وسيطة متخصصة في التعامل مع متطلبات معايير المطابقة الصينية CCC عند دخول المنتجات الإلكترونية والميكانيكية. وقد أكرر ذلك لأي عميل بلغة واضحة لا تحتمل التأويل: "الجمارك لا تحفظ الشيكات على نية الأطراف، بل على نموذج الإقرار الصادر" هذا يكفي. من ناحية أخرى، إذا كانت تصدير بعض العينات المعدّلة مطلوباً لإعادة تجديدها في الخارج أثناء فترة الضمان، فلابد من تخصيص بند منفصل لإجراءات تصدير الإصلاحات، بخلاف ما يحدث في المعاملات الدولية، حيث يتمّ إرسال الجهاز للتصليح، ثم إعادة استيراده في مدة قصيرة، دون قيود مستندية تفصيلية لهذه العملية.
من ضمن التحديات الشائعة التي أسردها في هذا السياق أيضًا، التغيرات المتتالية في رسوم الإغراق والرسوم التفضيلية حسب البلد المصدر للسلعة؛ فالعقد الذي لا ينص على آلية لتعديل السعر إذا ما تغيرت التعريفة الجمركية خلال فترة ما بين الطلبية والشحن، يصبح عرضة لنزاع مرير حول مَن يتحمل زيادة الكلفة. أذكر في هذا الصدد اتفاقية صياغة بند "الرسوم الاستيرادية المتقلبة" الذي يلزم بتوثيق التعرفة الجمركية السارية في يوم توقيع العقد، ويطلب من الطرفين الجلوس سوية لإعادة توزيع أي زيادة تختلف عن النسبة المتوقعة، وهذا البند ليس عقديًا بحتًا، بل هو احترام لواقع التجارة العالمية الذي نعيشه في ظل تنافس اقتصادي، فأزمة سلاسل الإمداد التي حدثت بعد الجائحة أظهرت لنا جميعًا أهمية الجهوزية لهذا النوع من المخاطر، فعلى المستثمر ألا يفترض أن التعريفة ستبقى ثابتة، بل عليه الحفاظ على حالة استعداد ذهني دائم للتفاعل مع البيروقراطية الجمركية الصينية.
تعزيز ضمان الجودة
بعد تجاوز الامتثال الجمركي، ننتقل إلى أحد أكثر الجوانب خطورةً في تنفيذ أي عقد في الصين، وهو ضمان الجودة، الذي لا يقتصر على مجرد شهادة منشأ أو مطابقة للمواصفات، بل يمتد إلى إجراءات الفحص المستمرة، ووثائق القبول الموقعة من كلا الطرفين في مراحل حرجة. الحقيقة أن أحد أخطاء المستثمرين الأجانب الجسيمة هي افتراض أن شهادات الجودة الدولية، كمعايير الأيزو، كافية لإثبات مطابقة المنتج أو الخدمة للمطلوب المحلي، صحيحٌ أن الأيزو معيار عالمي، لكن هيئات الفحص الصينية، وفي إطار لوائحها التطبيقية، قد تطلب اختبارات إضافية، مثل اختبارات التشغيل في ظل ظروف مناخية معينة، أو متطلبات احتياطية خاصة بالسلامة أثناء العمل. لذلك من الضروري أن نحدد في العقد أن الفحص المقبول سيتم وفق عينات معتمدة، وأن يكون من حق المشتري المحلي تعيين خبير فحص خارجي غير تابع لأي طرف في المشروع، لكي يكون رأيه ملزمًا، وهذه ممارسة تحمي الشركة الأجنبية من الخلافات حول مدى مطابقة السلع، حيث يقوم الخبير بالقياس والمعاينة باستخدام أدوات مصرح بها من الإدارة الصينية للمعايير والجودة.
تجربتي الشخصية مع أحد عملائنا الكبار في قطاع الطاقة المتجددة السعودي المتوسع داخل الصين توضح هذه النقطة بشكل كبير، عقد مدته 18 شهراً لتوريد ألواح طاقة شمسية وخدمات تركيب لشركة صينية تطوير مشاريع في منطقة صحراوية، وكنا في مرحلة التفاوض على بند قبول لوحات الطاقة الشمسية بعد تركيبها، وعند تدقيقي اقترحت إضافة شرط فحص ثالث يتم بعد مضي 6 أشهر من التشغيل الفعلي لقياس كفاءة الأداء في بيئة الغبار والرطوبة. أعجب الطرف الصيني بهذا الاقتراح وكان بمثابة وسيلة لبناء الثقة المتبادلة بيننا، وتجنبنا لاحقًا ما يشبه خلافات أخرى ضمن التعاملات المالية. هذا مثال حي على أن شرط ضمان الجودة المتدرج الزمني أفضل من مجرد فحص استلام نهائي واحد، لأنه يعطي مزيدًا من الطمأنينة للطرف المحلي على كفاءة المُنتج، ويُحدد للطرف الأجنبي مسؤولية ما بعد التشغيل، ويمنع بالتالي النزاعات المستقبلية التي يقوم أساسها على الصيانة والضمان التشغيلي طويل الأمد.
بخصوص الجودة المتعلقة بالخدمات والاستشارات، فقد يجد العملاء الأجانب تحديًا مضاعفًا، لأن جودة الخدمات غير ملموسة ولا يمكن معاينتها فوريًا بالعين، لذلك يجب تحويل أهداف الخدمة إلى مؤشرات أداء قابلة للقياس في عقد التوريد، كتحديد عدد تقارير التحليل الشهرية، أو مستوى رضا العملاء عبر الاستبيانات، وكذلك ألا تنسَ إدخال بند المهلة الزمنية لطلب «تقرير الرضا» الذي يوقّعه مسؤول محلي أول بعد إنجاز المهمة، وبخلافه تبقى المطالبة مستحقة بالكامل. في الواقع العملي، أرى أن المؤسسات الأجنبية الناجحة في الصين هي تلك التي تضع خطة إدارة جودة صارمة منذ اليوم الأول، وتتصور الجودة كمكوّن إلزامي في علاقتها بالعميل الصيني، وليست مجرد رفاهية تُنفَّذ إذا سارت الأجواء هادئة، وأن عليها أن توضح بنوداً جزائية عن التأخير في تقديم تقارير الجودة الشهرية، لأن التأخير الهين في تقرير فني قد يتسبب في تأجيل المرحلة الكاملة التالية من الدفع، والعقود الصينية تحترم حرفية التزاماتها الزمنية لا سيما في مجالات الصناعات التحويلية الاستراتيجية.
بنود المسؤولية التقصيرية
عندما نتحدث عن إدارة المخاطر التعاقدية للشركات الأجنبية في الصين، يجب التوقف مليًا عند بند المسؤولية التقصيرية (Tort Liability) وكيفية تنظيم توزيع المسؤولية والتعويضات في حال وقوع ضرر لأطراف ثالثة أو للعاملين. نظام المسؤولية التقصيرية في القانون الصيني حديث نسبيًا، فقد صدر قانون المسؤولية التقصيرية لعام 2010 وحل محله في عام 2021 قانون المدونات المدنية الذي يتضمن قسماً كاملاً للمسؤولية التقصيرية، وهو نظام يتسم بالتفصيل الواسع للغاية في الانقسام بين المسؤولية الشخصية ومسؤولية المؤسسة، ومسؤولية العملاء عن أعمال المقاولين من الباطن، مما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا من نظيره في الأنظمة القانونية الأخرى. من أبرز المشاكل التي واجهتها من خلال عملي، تحميل الشركة الأجنبية مسؤولية تقصيرية كاملة بسبب وقوع حادث لأحد موظفي مقاول باطن صيني، لعدم وجود بند واضح يلزم المقاول الرئيسي بالتعاقد مع مقاول باطن لديه تأمين مسؤولية مهنية كافٍ، لأنه في الفكر القانوني الصيني، يقع على عاتق الشركة التي تستفيد من النشاط الاقتصادي واجب مراقبة الحالة التأمينية لكل الأطراف المتعاقدة.
من أفضل طرق إدارة المخاطر في هذا السياق هو إدراج بند تعويضات شامل (Indemnification Clause) بشكل متبادل يتضمن تحديداً لأعلى قيمة للتعويضات المباشرة، مع استثناء الأضرار غير المباشرة أو التبعية، كخسارة الأرباح المستقبلية أو فقدان السمعة. الأمر المثير للاهتمام في التجارب المتعددة أن البند الأجنبي المُترجم ترجمةً حرفيةً من الإنكليزية والمتعلق بتحديد سقف المسؤولية لا يعمل تلقائيًا في الصين إذا كانت الصياغة غير متوافقة مع الحدود القصوى المنصوص عليها في القانون الصيني للتعويضات. فمثلًا، القانون المدني الصيني عمل بمنطق أن اشتراط سقف مسؤولية منخفض جدًا أو غير متكافئ مع حجم الضرر المتوقع قد يُعتبر بندًا غير عادل، وبالتالي يُلغى إذا ما أحيل إلى المحكمة، لذلك نحن نوصي بأن لا يقل سقف المسؤولية عن قيمة إجمالية تساوي عادة 100% من قيمة العقد الرئيسي، إلا في حالات استثنائية قليلة بعينها، وبغير ذلك فأنت تخلق بيئة أكثر عرضة للنقاش القانوني، وقد تخسر سقفك المدني التعاقدي برمته أمام محكمة صينية تتعامل مع الثغرات القانونية في مصلحة الطرف الأضعف.
أما بخصوص العلاقات مع المقاولين من الباطن أو الموردين المحليين، فأؤكد على الالتزام بالعقد «المباشر» الذي يتيح لك توجيه المطالبة ضد الطرف المسؤول الفعلي، وليس فقط المقاول الرئيسي المتعاقد معك، فهناك حالات تمت فيها إحالة قضية ضد شركة صينية للباطن كان بإمكان الشركة الأجنبية تجنبها لو أنها حوّلت أجزاء من العقد بموجب «تعاقد من الباطن» قائم بذاته، وقد يصبح التعاقد المباشر مع طرف محلي في بند «التنفيذ المشترك» هو المنقذ الوحيد، وأخبرك بصراحة أنه يمكن فعل ذلك حتى لو لم يقبل الطرف الأجنبي البند في البداية، عبر مطالبة المورد الصيني بتوقيع اتفاقية ضمانة ثانوية مسؤولة، وهذا تنظيم أفضل من مجرد البند التقصيري النظري في الصفحة الأخيرة.
أساليب حل النزاعات
بالإضافة إلى إمكانية اللجوء إلى التحكيم والمحاكم التي ذكرناها سابقًا ضمن أساليب الحل الودي، يجب أن نعطي خيارات متعددة ومرنّة لفضّ النزاعات عند التنفيذ اليومي للعقد، وهذه ليست تفاصيل ثانوية بل هي لبّ الموضوع في تقديري الشخصي كمحاسب ذي خبرة طويلة، وخاصة في حالات النزاع حول ما يُسمى «البنود الكمية»، فعليكم الاتفاق على جهة خبيرة مستقلة (Expert Determinator) لقياس الكميات في حال الاختلاف بشأن الأعمال الهندسية المنفذة، وتقدير هذه الجهة يكون نافذاً بشكل ملزم على الأطراف قبل الالتجاء للمحكمة أو مركز التحكيم. هذا الأسلوب فعال من حيث تقليل النفقات والزمن خصوصًا في الأعمال الإنشائية حيث تكون الأشغال الخفية مثل أساسات البناء أو شبكات الصرف الصحي مثار جدل كبير، ويمكن أن تستند إليها الشركة الأجنبية لتحقيق مركز قوة في أي تفاوض قادم دون الحاجة لخوض معركة قانونية ضخمة.
أيضاً، من وجهة نظر توفير التكاليف وإدارة الوقت، يجب النظر بجدية للوساطة الدولية التي أصبحت متاحة الآن في الصين بموجب أحكام اتفاقية سنغافورة حول الوساطة التي وقعت عليها الصين، وقد بدأت بعض المحاكم التجريبية في شنغهاي وشنتشن بتجربة مشروع المحكمة المشتركة للوساطة عبر الإنترنت وفي الواقع الفعلي حيث تتاح إمكانية الوساطة عبر دائرة تلفزيونية مغلقة بين الأطراف في أماكن مختلفة. لماذا أعتبر هذا الخيار تحديدًا مغرياً للشركات الأجنبية؟ لأنه يساعد في تفعيل حل النزاع بشكل أسرع، وهو يقلل كثيرًا من العبء المالي المرتبط بتحويل المستندات القانونية وترجمتها، كما يحافظ على أجواء التعاون المهني الحالي؛ فوجود وسيط دولي معتمد في سنغافورة مقبول من الأطراف الصينية إذا كانت العلاقة بينهم وبينه، وقد أثبت لي الواقع أن مشروع هرم متوسط داخل محافظة جيانغسو كان على وشك الانهيار ثم أنقذته وساطة دولية بهذا النوع، فقبل الطرفان على تسوية عادلة تحفظ استمرارية عقد توريد بقيمة 6 ملايين دولار.
وأظل أكرر بشكل دائم في توصياتي للعملاء العرب والأجانب أن يفحصوا جيداً إجراءات «القانون الحاكم»، فعلى الرغم من أنه يمكنهم اختيار قانون سنغافورة أو إنكلترا كقانون حاكم للعقد المبرم في الصين، إلا أن وجود عناصر صينية خالصة التنفيذ قد يجعل من الصعب للغاية الحصول على حكم قابل للتنفيذ من المحاكم الصينية يتعارض مع ما يعرف بالنظام العام الصيني، لذلك سيكون الأجدى في صياغة عقد جديد—إذا لم يكن هنا مناص من اختيار قانون دولة أجنبية—هو إدراج مادة توضح أن تفسير بنود العقد يجب أن يتم في ضوء أصول القانون الصيني العام كلما لم يقدم القانون الأجنبي الحاكم إجابة مباشرة ومناسبة للمسألة المطروحة، وهكذا نصنع حلاً وسطاً يجمع أفضل ما في النظامين ويقلل احتمال تجميد الأحكام الصادرة ضد الشركة المحلية، ويضيف للأطراف نوعاً من الثقة الإجرائية المزدوجة.
إدارة قضايا فسخ العقد
لا يجرؤ كثير من المستثمرين الأجانب على مناقشة شروط فسخ العقد عند بداية المشروع، بحجة أن التفكير في الفسخ يضفي جواً من عدم الثقة منذ البداية، لكنني أؤكد أن وضوح شروط الفسخ منذ البداية هو السبيل الأكثر أماناً لتجنب التعقيدات في نهاية المشروع، وأن الصينيين مديرين معروفون بتقديرهم للأمور الواضحة المحددة سلفاً، لأن الغموض في شروط الفسخ يؤدي حتمًا إلى نزاعات تفسيرية مريرة. أحد الحلول الجيدة التي ننصح بها هو صياغة بنود تشبه «التجميد التنازلي» التي بموجبها لا يُقال أن العقد قد فُسخ بشكل كامل وتام، بل يُقال أن هناك مرحلة انتقالية لوقف استلام البضائع أو الخدمات لمدة محددة، وهنا يُطلب من الطرفين إعادة التفاوض في جدول زمني صارم خلال 30 يوم عمل، ويُعتبر عدم الوصول لاتفاق خلال تلك المدة فسخاً تلقائيًا مع كل الآثار، وبهذا الش