أيها المستثمرون والمهتمون بالشأن الاقتصادي في العالم العربي، عندما ننظر اليوم إلى المشهد الاستثماري في الصين، لا نجد سوقاً صاعدة فحسب، بل نجد أيضاً منظومة قانونية ومالية بالغة الدقة والتعقيد. لطالما كنت أقول خلال سنوات عملي التي تجاوزت العقد في مجال تقديم الخدمات الضريبية والمحاسبية للشركات الأجنبية، إن فهم البيئة التشريعية المحلية هو مفتاح النجاح الأول لأي استثمار. ومن بين هذه التشريعات، يبرز قانون التأمين الاجتماعي الصيني كأحد الركائز الأساسية التي تحكم العلاقة بين رأس المال والعمالة وبين الدولة والمؤسسات. لكن ما يهمنا هنا تحديداً، هو الجانب الأكثر غموضاً وتأثيراً في نظر المستثمرين العرب: وهو كيفية تنظيم استثمار وتشغيل أموال هذه الصناديق الضخمة. دعونا نتعمق معاً في هذه التفاصيل الدقيقة، فهي ليست مجرد بنود قانونية جامدة، بل هي انعكاس مباشر لسياسات دولة تتحرك بثقل كبير على الساحة الاقتصادية العالمية.

قبل أن ندخل في التفاصيل، يجب أن ندرك أن صناديق التأمين الاجتماعي في الصين ليست مجرد حسابات مصرفية لتجميع الاشتراكات الشهرية، بل هي كيانات مالية استثمارية ضخمة تدير تريليونات اليوانات الصينية. أتذكر جيداً عندما كنت أشرح لأحد العملاء من الخليج الفرق بين نظام التقاعد في بلاده وبين النظام الصيني، حيث أدرك أن هذه الأموال تُدار بعقلية استثمارية تهدف إلى الحفاظ على قيمتها الحقيقية على المدى الطويل، وليس فقط إلى توزيعها على المتقاعدين. هذا الفارق الجوهري هو ما يجعل فهم القوانين المنظمة لهذه الصناديق أمراً حيوياً، لأنها تحدد درجة المخاطرة المسموح بها، وأنواع الأصول التي يمكن الاستثمار فيها، ونسب العوائد المتوقعة في سوق يبلغ حجمه تريليونات الدولارات. خلال رحلتي المهنية الطويلة، لاحظت أن القوانين الصينية تتبع منهجاً تدرجياً في تنظيم هذه الأموال، مما يعطي إشارات واضحة للمستثمرين الأجانب حول استقرار السوق المالي الصيني.

إن الغاية من هذه المقالة ليست فقط عرض المواد القانونية، بل هي محاولة لتشريح كيف تساهم هذه الإدارة المنظمة في خلق بيئة مستقرة للاستثمار الأجنبي المباشر. من الخطأ أن ينظر المستثمر العربي إلى هذه الصناديق كعبء إلزامي، بل يجب أن يراها كمؤشر اقتصادي صحي يعكس المناعة المالية للدولة. فكلما كانت هذه الصناديق مدارة بشفافية وفعالية، كلما كان الاقتصاد الكلي أكثر استقراراً، وهذا يعني بدوره حماية أكبر للاستثمارات الأجنبية من التقلبات المفاجئة. في أقسام هذه المقالة، سأقوم بشرح دقيق ومن خلال خبرتي المتواضعة لبعض الجوانب العشوائية في هذا النظام، معتمداً على النصوص القانونية وتجاربي العملية، لأنني أعتقد أن المعلومة التي تمر بتجربة عملية تصبح أكثر قدرة على خدمة القارئ العربي الطموح الذي يسعى للفهم قبل الإقدام على أي خطوة استثمارية جديدة.

الأطر التشريعية الأساسية

عندما نتحدث عن الفصل بين القوانين واللوائح المنظمة لصناديق التأمين الاجتماعي، يجب أن ندرك أن الصين قامت ببناء هرم تشريعي متكامل لتنظيم هذه الأموال الحيوية. إن قانون التأمين الاجتماعي لجمهورية الصين الشعبية، الذي صدر عام 2010 وتم تطبيقه في العام التالي، هو بمثابة الدستور الذي تسير عليه جميع اللوائح والأنظمة الفرعية الأخرى. هذا القانون الأساسي لم يكتفِ بتحديد نسب الاشتراكات أو الفئات المشمولة بالتأمين، بل خصص فصلاً كاملاً لتنظيم كيفية إدارة هذه الصناديق، حيث نص صراحة على ضرورة فصل الإدارة المالية عن الإدارة الإدارية، وأن يتم استثمار الأموال المتراكمة بما يحقق أهدافاً طويلة الأجل للمنفعة العامة. النقطة المهمة التي أحرص دائماً على توضيحها للعملاء العرب هي أن هذا الفصل ليس شكلياً، بل هو إجراء وقائي حقيقي يهدف لمنع أي إساءة استخدام للأموال العامة.

على مدى 14 عاماً في خدمة الشركات الأجنبية، تيقنت تماماً أن هذه اللوائح التنفيذية هي التي تحمل التفاصيل العملية التي تهمنا كمستشارين ماليين. فاللوائح التي أصدرتها وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي بالتعاون مع اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، تحدد بدقة مطلقة نسبة الأموال التي يمكن توجيهها للاستثمار في أسواق الأسهم أو السندات أو غيرها من الأدوات المالية. لاحظت أن كثيراً من المستثمرين العرب يفاجئون عندما يعلمون أن هذه الصناديق محظور عليها قانونياً الاستثمار في بعض المنتجات عالية المخاطر كالمشتقات المالية المعقدة، فقط لأن المشرع الصيني يعتبر أن أموال التأمين الاجتماعي هي أموال "الأجيال"، وليست أموال مضاربة سريعة. هذه الحماية التشريعية المتعددة الطبقات، أجدها أحياناً مقيدة، لكنني بعد مراجعة المواقف المالية المتتالية أدركت أنها ركيزة من ركائز حفظ النظام المالي.

هناك بعد آخر في هذا الإطار التشريعي، وهو ما يتعلق بآليات الرقابة والتفتيش التي تفرضها الحكومة المركزية على هذه الأموال. فكل صندوق من الصناديق الخمسة الرئيسية في الصين (المعاشات، الطبية، البطالة، إصابات العمل، والولادة) له جهاز رقابي خاص به، يجتمع دورياً لوضع إرشادات استثمارية محدثة حسب ظروف السوق. في غرف الاجتماعات حيث تواجدت في بعض الأحيان كمستشار ضريبي من الخارج، كنت أشاهد كيف تتم مناقشة العوائد المتوقعة على الاستثمارات الحكومية، وكيف يجري تخفيض أو زيادة سقف الاستثمار في البنية التحتية وفقاً للاحتياجات الوطنية الكبرى. هذا التداخل الممنهج بين السياسة الاستثمارية وبين الأهداف الإنمائية للدولة هو أمر لا نجده بنفس الصورة في معظم الدول العربية، حيث تكون صناديق التقاعد عادة أدوات مالية بسيطة تجري وراء أعلى عائد بأقل مخاطرة.

حوكمة استثمار الأموال

بعد سنوات من التعامل عن قرب مع الأنظمة المالية الصينية، أستطيع أن أؤكد لكم أن ما يميز الصين هو نموذجها الفريد في "الحوكمة المتداخلة" التي تجمع بين الضبط الحكومي والآليات التسويقية في آن واحد. لنبدأ بحقيقة قانونية بسيطة: إن هذه الصناديق لا تملك قرار الاستثمار بنفسها، بل تخضع لقواعد إحترازية صارمة وضعتها وزارة المالية بالتعاون مع الجهات المنظمة لسوق المال. على سبيل المثال، يحظر على هذه الصناديق قانوناً أن تملك أكثر من نسبة معينة من أسهم شركة مدرجة واحدة، وذلك بهدف تفادي احتكار القرار في القطاعات الاقتصادية الحساسة. أثناء حديثي مع زملائي في شركة جياشي، كثيراً ما نُشير إلى هذا الأمر بعبارة "الحبل على الجرار"، أي أن كل خطوة استثمارية مراقبة ومرسومة حدودها مسبقاً، مما يمنح المكلّفين راحة نفسية وضماناً قانونياً مزدوجاً.

هذا لا يعني أن هذه الصناديق عقيمة لا تتحرك في الأسواق، بل على العكس تماماً، فهي من أكبر اللاعبين في بورصة شنغهاي وشنتشن الصينيتين. لكن الحركة تتم وفق فلسفة استثمارية راسخة قائمة على التوزيع المتوازن للأصول بين الفئات الرئيسية كالأسهم والسندات الحكومية وسندات الشركات الكبرى وأدوات سوق النقد. إذن ما القاعدة الحاكمة هنا؟ إنها قاعدة "التوازن الدفاعي"، أي أن كل هذه الاستثمارات يجب أن تُدار بطريقة تضمن ألا تنخفض قيمة المحفظة الإجمالية بشكل يعرضها لمخاطر سيولة عالية عند الحاجة لتسديد المستحقات التقاعدية. في جلسات العمل الإدارية، حين يحضر ممثلو هذه الصناديق لعرض تقاريرهم الفصلية، يكون السؤال الرئيسي ليس "كم ربحنا هذا ربعه؟"، بل "كم خففنا من تقلبات السوق على مدى 10 سنوات قادمة؟". سؤال كهذا يفسر كل شيء.

إن عملية تدقيق الخطط الاستثمارية داخل هذه الصناديق تعتمد أيضاً على معايير بيئية واجتماعية، وهي ما يُعرف اليوم بـ "الاستثمار المسؤول". في عام 2017، أعلن صندوق الضمان الاجتماعي الوطني الصيني أنه سيعمل على إدماج المعايير البيئية والمجتمعية في عملية تقييم استثماراته، وهذا التحول النوعي لم يكن عشوائياً، بل استجابة لضغوط داخلية وخارجية للمواءمة مع مبادئ الأمم المتحدة للاستثمار المسؤول. في هذا السياق، أذكر أن إحدى الشركات الأجنبية التي أتعامل معها سألتني: "هل يمكن أن يكون هذا التوجه مجرد غطاء سياسي؟"، فكان جوابي أنها تستحق أن نقول إنها رؤية صادقة نحو الاستدامة، لأن الصين تحاول أن تكون رائدة في الاقتصاد الأخضر بعد أن واجهت انتقادات عالمية على البيئة. أرى من منظوري أن هذه الخطوات جعلت من الاستثمار في مجال السندات الخضراء والبنية التحتية المستدامة فرصة للمحافظ الأجنبية للتعاون مع هذه الصناديق في تمويل مشاريع ضخمة.

للأسف، ما يفوت الكثير من الشركات العربية عند دراستها للاستثمار المشترك في هذه الأموال، هو مستوى العناية الواجبة والإفصاح المطلوب تعبئته. القوانين المنظمة تُلزم الصناديق بنشر تقارير إفصاح ربع سنوية مفصلة تشتمل على كل عملية بيع أو شراء مهمة تتجاوز قيمة معينة. هذا الإلزام الشفافي قاد إلى بناء قواعد بيانات ضخمة يستطيع أي محلل مالي الاطلاع على استراتيجيات الصناديق كما تلوح في تفاصيل المعاملات. في عملي، أحتفظ بهذه التقارير كأدوات للتحليل الأساسي، لأنها تكشف توجهات السوق الصيني على المدى البعيد. ما أريد إيصاله هنا لقرائي العرب هو أن عملية اتخاذ القرار الاستثماري في هذه الصناديق تخضع إلى أسباب موجبة موثقة تفوق بكثير متطلبات الحوكمة المفروضة على الصناديق السيادية في بلداننا العربية من حيث دقة التفاصيل.

تنظيم استثمار وتشغيل صناديق التأمين الاجتماعي وفقًا لقوانين التأمين الاجتماعي الصيني

محددات التشغيل والتنويع

المفارقة في إدارة صناديق التأمين الاجتماعي الصينية أن لديها معايير صارمة وواضحة في نفس الوقت، مما يجعلها أقرب إلى حدّ مزدوج: حد أدنى للعائد المتوقع يفوق نسبة التضخم، وحد أقصى لدرجة المخاطر المسموح بها. في التشغيل الفعلي، يتم توزيع الاستثمارات بنسب مئوية معينة على محافظ الأسهم والسندات وغيرها من فئات الأصول، وهذا التوزيع يُحدَّث سنوياً بناءً على توقعات الاقتصاد الكلي من اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح وبنك الشعب الصيني. في أحد اللقاءات التي نظمتها غرفة التجارة الأجنبية في بكين، سخر أحد نظرائي من أن هذه النسبة المئوية شبه ثابتة، معتبراً أنها نوع من البيروقراطية المقيدة للنمو، لكنني شرحت له أنها تُحدَّث كل ثلاثة أشهر عبر لوائح داخلية غير معلنة، لأن في ذلك مرونة لوضع برامج واستراتيجيات بديلة في سياقات متحولة.

التنويع الإقليمي يُعد من الأمور المتقدمة في هذا النظام حيث تختلف المعايير التشغيلية من مقاطعة إلى أخرى، فصندوق تأمين مدينة شنغهاي على سبيل المثال يلتزم بقواعد أكثر تشدداً في الاستثمارات الخارجية، بينما نشاهد مرونة أكبر في المناطق الأقل تطوراً مثل المناطق الشمالية الشرقية القديمة. هذه الفروقات تعكس، في الواقع، حالة من اللامركزية الحمراء المقصودة التي تتيح للمناطق النامية جذب أموال إضافية للاستثمار في مشاريعها المحلية من خلال زيادة العائد لتعويض المخاطر المحلية. من الطريف أن عملائي العرب يتساءلون أحياناً كيف لصندوق تأمين اجتماعي في منطقة داخلية أن يشتري سندات بلدية لتمويل بناء خط سكك حديدية، وهو ما يبدو غريباً لكن له ما يبرره قانونياً. التوازن يدل على النضج المؤسساتي، وهو ما يجعل بيئة استثمار أموال التقاعد في الصين أكثر جاذبية وجدية للدراسة.

خلال مسيرتي العملية الطويلة، وددت أن أشارككم مثالاً واقعياً من داخل شركتنا جياشي، حيث كان لدينا عميل خليجي يخطط لإنشاء مشروع بنية تحتية في الصين ومشاركة بعض صناديق التقاعد الإقليمية كمستثمرين صامتين. واجهنا صعوبات جمة في توقيع اتفاقية لضمان الحقوق الإدارية المشتركة، لأن القوانين الصينية تمنع منح أي شريك صناديق التقاعد مقاعد في مجلس إدارة الشركة المشغلة للمشروع، رغم أنها تمنحه حقوق توزيعات الأرباح والحصول على تقارير مالية كاملة. سألني العميل بحق: "أليست هذه الطريقة في تصميم الحوكمة تقليصاً لقيمتنا كشركة مساهمة؟"، وكان جوابي أن ما يبدو تقييداً هو في الحقيقة حماية ضد تضارب المصالح المرعب الذي قد ينشأ إذا ما تدخل صندوق تقاعدي في إدارة يومية، وهذا البعد أعتبره نقلة نوعية في الفهم عند بعض رجال الأعمال العرب، الذين اعتادوا على شراكة المستثمر في الحوكمة كشرط مسبق لكل استثمار.

إن سنوات العمل في هذه الساحة علمتني أن الفهم الدقيق لتشغيل هذه الأموال يتطلب الصبر والمراجعة المستمرة للتطورات التشريعية أكثر من المهارات المالية الخالصة. فكل تعديل وزاري أو تغيرات أسعار الفائدة التي يجريها بنك الشعب الصيني تؤثر مباشرة في اتجاه استثمار الأموال الاحتياطية. على سبيل المثال، عندما أعلن البنك المركزي الصيني عن سياسة رفع الاحتياط الإلزامي للبنوك التجارية خلال الفترة 2022-2024، كانت النتيجة أن الصناديق الفائضة من استثماراتها في القطاع البنكي اتجهت نحو سندات الحكومات المحلية شبه السيادية، بحثاً عن أمان أفضل. هذه التحولات الدقيقة لا تجدها صراحة في النصوص القانونية، لكننا نكتشفها من خلال فحص سلوك الصناديق عبر السنين، وهذا ما يميز عمل مستشار حقيقي خبير عن عامل مبتدئ في السوق.

مراقبة المساءلة والرقابة

نقطة مفصلية في حديثي هذا هي نسيج المسؤولية المشترك الذي ترسمه قوانين التأمين الاجتماعي الصينية حول الأموال العامة. لقد أولى المشرع أهمية كبرى لضرورة خضوع كل عملية استثمار إلى آلية مساءلة لا تتعارض مع الآليات السائدة في شركات الاستثمار الخاصة، لكنها تتجاوزها بأبعاد رقابية متعددة. إذ تتولى مؤسسة "لجنة تنظيم التأمين الاجتماعي الوطنية" دور الرقيب الأعلى على الاستثمارات والتشغيل، بتكوين مختلط من مسؤولي وزارة المالية وممثلين عن البنك المركزي وخبراء اقتصاديين مستقلين، هذه اللجنة تعقد اجتماعات مغلقة فصلية لوضع تقارير تقييم المخاطر والتوصيات الملزمة للصناديق. من المهم هنا أن نضع سؤالاً: هل تعمل هذه اللجنة تحت تأثير الحزب الشيوعي الصيني بشكل مباشر؟ الإجابة المختصرة هي أنها تعمل تحت الإطار القيادي العام، لكنها تتمتع بقدر من الاستقلال الفني، وهذا التوازن اختلفنا حوله أنا وعدد من زملائي.

إحدى العمليات التي طبقت مبادئ الرقابة العالية كانت في العام 2023 عندما تم اكتشاف حالة إهمال إداري جسيم في صندوق تأمين المعاشات لمدينة تشونغتشينغ، أدت إلى خسائر مالية نتيجة الاستثمار في تطوير مشروع تجاري كبير فشل في تحقيق العوائد المتوقعة وتحول إلى عبء على الميزانية المحلية. أحيلت القضية إلى النيابة العامة، وتنحى ثلاثة مسؤولين، وأصبحت هذه الحادثة مثالاً في الدورات التدريبية عن نقاط الضعف في تطبيق نظم الرقابة الداخلية في ظل الفساد المحتمل. ما يهمنا كخبراء هو أن القانون الصيني يتسم بأنه قانوني حضاري يحمي خصوصية الاقتصاد الكلي، فهو لا يفرض المسؤولية الجزائية على المسؤولين فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى نظام تعويض تتبناه الدولة لكل المبالغ المفقودة نتيجة تلك القرارات التعسفية على أن يتم التحقق منها وتدقيقها بدرجة عالية من المهنية، وهذا ما عزز لديّ يقيناً بأن منهجية المساءلة هنا أكثر عمقاً من أن تكون مجرد عملية عقابية شكلية.

في تجربتي الشخصية عندما نصحنا عميلاً أوروبياً بتأسيس صندوق مشترك للاستثمار في البنية التحتية مع إحدى ولايات المقاطعات الغربية، اكتشفنا أن عملية المراجعة القانونية تستغرق وقتاً أطول بسبب اشتراط قانوني يتمثل في أن كل المعلومات المالية التشغيلية يجب أن تقدم من قبل "مدقق خارجي معتمد من وزارة المالية"، وهو أمر يزيد من كلفة التشغيل ويطيل زمن الإعداد، لكنه في النهاية يحمي حقوق الأطراف جميعاً من أي غموض محاسبي. أذكر خلال مرافعتي عن هذه المشاريع أمام مجلس إدارتنا في جياشي، كنت أحاول إيجاد طريقة لاختصار هذا الوقت الثمين، لكن الخبرة الطويلة مع الجانب الصيني علمتني أن الصبر على متطلبات الشفافية هو أفضل ضمان لعقود شراكات نظيفة. اليوم صرنا في شركتنا نمتلك ما يشبه منهجاً معيارياً داخلياً في التعامل مع هذه العمليات أسميه "بيتا للتدقيق المسبق"، لأننا ببساطة تعلمنا أن معايير الرقابة الصينية قد تكون أكثر تكلفة زمنية، لكنها قطعاً أرخص في التكاليف الاحتمالية.

تأمين السيولة والاستمرارية

من الدروس المهمة التي تعلمتها من خبراتي العملية المتعمقة أن إدارة هذه الصناديق تعطي أولوية قصوى لاحتياطي السيولة عند التخطيط المالي الطويل الأمد، بل إن بعض القواعد التشريعية تشبه القانون الذهبي في ما يخص تلك النقطة تحديداً. إن ما يميز صناديق التأمين الاجتماعي الصينية أن مصادر تمويلها تتمثل في نسبة معينة من أجور الموظفين وإسهامات أصحاب العمل، وبما أن هذا التدفق منتظم شهرياً تقريباً، فهناك سيولة كبيرة متاحة بشكل دائم، لكن مبدأ الاستمرارية يتطلب عمل صناديق احتياطية كافية للوفاء بالتزامات الجيل المتقدم في السن عند انخفاض الدخل نتيجة الأزمات الاقتصادية الدورية. دعونا لا ننسى أن النظام الصيني للتقاعد واجه في سنوات مبكرة ظاهرة سكانية خطيرة مع اتساع قاعدة كبار السن، مما فرض على الحكومات المتعاقبة تفعيل قوانين ونظم تحافظ على التوازن بين الإيرادات والمصاريف الحالية وتراكم المدخرات الاستثمارية المستقبلية.

التشريع الصيني الحالي أجاز تأسيس مستويات احتياطية فرعية مختلفة تبعاً لفئات الجمهور المؤمن عليهم، إذ يمكن لمجالس إقليمية تعديل نسب الاشتراكات والفوائض المتراكمة بالزيادة متى رأت أن التوقعات الوبائية أو السكانية تتطلب ذلك، وهذا الإجراء التصاعدي يهدف إلى تفادي العجز الآني للميزانية التشغيلية. لاحقاً ستلاحظ هذا البعد إذا طالعتها الصحف اليوم: فحين اندلعت أزمة جائحة كورونا قبل سنوات، سمعنا نداءات موجهة إلى المؤسسة الوطنية للضمان الاجتماعي بأن تسمح للشركات المتضررة بتأجيل أقساطها، وهذا ما حدث فعلاً عبر رسالة تنظيمية طارئة. من هنا نفهم أن عملية تأمين السيولة ليست قاعدة متحجرة، بل هي شبكة تشغيلية تفاعلية تستجيب بذكاء لظروف الاقتصاد الوطني في أزماته، لتحفظ فرص التعافي السريع للشركات وبالتالي للأفراد المستفيدين في الضمان الاجتماعي.

هناك أيضاً أذرع استثمارية جديدة لتعزيز الاستمرارية تتمثل في ما يسمى بالأصول البديلة، مثل الاستثمار في مشاريع الإسكان الميسر والبنية التحتية العامة والطاقة المستدامة، حيث تساهم هذه الأصول بعائداتها في تعميق المحفظة الاستثمارية وخلق قيمة مضافة لتمويل الخدمات الاجتماعية على المدى الطويل. منذ ذلك الحين أصبحت الشركات الأجنبية بما فيها العربية، مضطرة لدراسة مداخل الاستثمار في الصناديق الاستثمارية العقارية المخصصة لبناء مدن جديدة، والتي تشارك فيها صناديق الضمان كمساهم رئيسي بنسب متفاوتة. أحد المشاريع المهمة التي ساهمت في تطويرها مدينتنا "خليج هانغتشو الجديد" تم تمويله مؤخراً بشراكة مع صندوق الضمان الاجتماعي الإقليمي، وقد استفادت شركة مقاولات قطرية معروفة من هذا السياق عبر تقديم حلول الجودة الفنية لمبانٍ متخصصة، حيث أن تجربتنا في هذا المشروع تفتح نافذة على نموذج محتمل لتكراره في أماكن أخرى.

ولكن يجب التنويه أيضاً إلى أن تنويع مصادر الدخل الضماني يضيف ضغطاً مستمراً على المهنيين الهندسيين والماليين الذين يعملون على هذه الصناديق، حيث يواجهون مهمة شاقة للتوفيق بين توقعات الربحية وقواعد السلامة عن مخاطرة. في نهاية عام 2023، أطلقت ثلاثون مدينة صينية "سياسة الصناديق المظلية" وهي نظام يسمح لصناديق الضمان باستثمارات تجريبية في الأسهم الخاصة لشركات ناشئة واعدة تعمل في مجالات التكنولوجيا المالية والرعاية الصحية. هذه الخطوة كانت جريئة بمعايير الصين المحافظة وتتطلب دراسة مخاطر دقيقة. أنا كخبير، أعتقد أن هذه التجربة مفتاح استشراف سبل سدّ الاحتياجات المستقبلية المتنامية في أسواق حيوية ذات مردود أعلى، شرط أن تبقى الحوكمة المالية المتشددة والعناية الواجبة هي الفيصل الحاسم في اختيار الأصول والمشاريع.

الازدواجية المخاطر والعائد

منطلق أساسي في علاقتنا اليومية مع ملفات عملائنا الأجانب، هو أن دراسة المخاطر المالية هي وجه من وجوه الإعجاب بمستوى التطور في الرؤية الصينية لإدارة أموال الأجيال، إذ يتناول المشرع هذه المسألة بفلسفة تقوم على فهم علمي وبعيد المدى لطبيعة الدورة الاقتصادية. إن استثمار هذه الأموال لا يهدف لتعظيم الثروة السريعة، بل لتفادي تراجع القيمة الشرائية في الزمن المقبل، وهذا يعني أن الاستراتيجيات الحالية محكومة بنظام معقد من معادلات المقايضة بين أمان الاستثمار الحكومي وبين ثغرات الأسواق البورصية العالية التقلب. لو ذهبت إلى موظفي هيئات الضمان الاجتماعي في الصين عن قرب، لاكتشفت أنهم يتعاملون مع بيانات ضخمة تستخدم الخوارزميات المتقدمة لقياس الانحرافات الاحتمالية في الظروف الاجتماعية الاقتصادية، وأن الالتزام بهذا المنطق الإحصائي الاستباقي هو الذي رسم مسار الاستثمار فوق فترات الصعود والهبوط العالمية.

في سنة 2015، شهدت سوق الأسهم الصينية انهياراً حاداً، وتذكرت حينها أن صندوق الضمان الاجتماعي الوطني أعلن رغم ذلك عن عوائد إيجابية على ممتلكاته المدورة بواقع 4.1٪، لأن التوازن الوزني لمحفظته ذهب إلى أدوات مثل السندات البنكية المحلية التي لم تتأثر بالانهيار. هذا المثال العملي حجة قوية تستخدمها عندما يطلب مني عملاؤنا المشورة نحو تعظيم مخاطرة محافظهم ضمن الاستثمار في الأسهم الصينية، مؤكدين واثقين أن الأرقام الكبرى المنشورة التي تحقق نسبة 15٪ أو 20٪ سنوياً في بعض السنوات ذهبت، ليست بالضرورة نتيجة استراتيجية رشيدة، بل بسبب الاستثمار المباشر الوفير من أموال الدولة الهائلة في اكتتابات أولية محددة الربح، وسيكون من الخطأ الفادح تقييد صناديق التأمين على سنّ هذه المضاربات غير مضمونة النتائج. فلا أعرفُ مستشاراً ضريبياً محترفاً في الصين ينصح عملاءه بتقليد محافظ الضمان في استراتيجياتهم الخاصة، دون أن يحتفظ لنفسه بمساحة من إعادة التقييم، لأن صناديق الضمان مجبرة على تحمل المسؤولية الاجتماعية بأولويات غير مالية، وهذا الطابع الأخلاقي في الاستثمار يمثل حاجزاً أمام فكرة المغامرة العالية.

ولاحقاً، تظهر عناصر جديدة تحمل أبعاداً غير تقليدية في هذا الميدان: وهي المخاطر الجيوسياسية وتأثير العقوبات الغربية على الاستثمارات المشتركة للصندوق في الخارج. صحيح أن الاستثمار الخارجي للأموال العامة الصينية لا يزال محدوداً مقارنة بحجم الصندوق السيادي النرويجي، لكن الحصة المتزايدة في مشاريع الدول الأعضاء بمبادرة "الحزام والطريق" فتحت ملفاً متشعباً يحتاج إدارة كفؤة للمخاطر السياسية أكثر منها المالية. عند مساعدتي لواحد من صناديق المعاشات الإقليمية في تحليل إمكانية المشاركة في مشروع بطاقة ائتمانية وطنية بموريتانيا، أخبرناهم أن العائد المالي يبدو ممتازاً لكن إجراءات التأمين الائتماني ومخاطر استرداد الأرباح في هذه الولاية ما زالت قائمة وارتفاع كلفتها سيأكل جزءاً كبيراً من إيرادات الفوائد وبالتالي يصبح هذا الاستثمار الجديد عديم الجدوى من ناحية تحمل المخاطرة مقابل العائد. هذا النوع من التحليل يجعلنا أكثر حرصاً في تقديم توصيات الشراكة مع أموال الضمان المسؤولة.

لكن هل يستطيع قانون التأمين أن يوفر حماية ضد ضعف الإدارة في بعض الهيئات المحلية؟ في رأيي، هذه هي أكبر المخاطر الموجودة في النظام والمختبر الحقيقي لفلسفة التشغيل، ففي الدول المدينة الصغيرة قد تستحدث مجالس إدارة صناديق تقاعد قواعد داخلية أقل صرامة من اللوائح المركزية في التعامل مع الاستثمارات المحلية ذات التأثير السياسي. في الواقع، لاحظت عدة قضايا من هذا النوع لأموال تتجه نحو مشاريع مراكز تحلية أو مصانع أسمنت تصبح لاحقاً مكلفة أو دون الجدوى الاقتصادية، ما أثار إشكالات بين المجلس المركزي والمحلي حول التصحيح الإداري. إن المشرع الصيني يتعامل مع هذه الإشكاليات بتعديل القوانين بشكل تدريجي نحو تشديد أكبر في صلاحيات مجالس المدن الاستثمارية، واشتراط موافقة مسبقة من لجنة الخبراء المركزية لمشاريع تفوق سقفاً قيمياً معيناً.

الرقمنة ومستقبل الحوكمة

لعل أكثر ما يشد انتباهي كمحاسب قانوني عندما أراقب تطور إدارة أموال التأمين في الصين، هي وتيرة التحول الرقمي الهائلة في عمليات المراقبة والتداول، حيث أدركت مع مرور الوقت أن هذا التطور في الحوكمة الرقمية ليس بالميزة التكنولوجية فقط، بل هو غطاء يحدّ من السلوك العشوائي ويغلق الثغرات في النظام القديم الذي اكتفى بالوثائق الورقية التي يمكن أن تزول أو تتعرض للتلاعب بطرق ذكية. خلال العقد الماضي، أنشأت الدولة منظومة مراقبة آلية متصلة مع جميع مكاتب الأوراق المالية لتتبع كل معاملة من معاملات صناديق التأمين على مستوى البلاد في لحظة حدوثها. هذه البيانات الضخمة، تُفعّل لاحقاً لبناء نموذج إنذار مبكر حول تجاوز النسب المسموحة في الاستثمار السهمي، أو حدوث تركيز مرتفع في قطاع واحد قد يعرض المحفظة لمخاطرة لا يمكن ضبطها في الأزمات.

إن تطبيق تقنية "سلسلة الكتل" أو ما يسمى بالـ Blockchain في تسجيل عقود الاستثمارات وطلبات الاشتراك في البنية التحتية قد فتح باباً واسعاً للمستثمرين الإقليميين للاطلاع على الاستثمارات الخارجية المشتركة بأعلى درجات الوضوح. في مكتبنا في جياشي، قمنا بإعداد نظام تتبع لبنود استثمارات الضمان في مشاريع السندات البلدية، حيث يستطيع عملاؤنا من الشركات العربية التعرف على تاريخ كل إصدار وقيمة العائد لكل عملية، وهذا التطوير العلمي للإدارة جعلنا قادرين على إعطاء نصائح أكثر ثقة بشأن الحدود الزمنية المالية، وهذا بالطبع يرفع من جاذبية الصين كمكان استثماري للمحافظ المالية المؤسسية العربية التي تهتم بالجودة والمتانة وليس بالسرعة فقط.

هذا التأسيس المتقدم لا ينبغي أن يجعلنا ننسى أن القوانين الجديدة المتعلقة بأمن البيانات أصبحت إطاراً يحكم عمليات نقل وتخزين بيانات المتقاعدين وأصحاب العمل، وأن هناك تضارباً صريحاً بين قوانين حماية المعلومات الشخصية الصارمة وبين ما تحتاجه أدوات التحليلات والذكاء الاصطناعي لبناء النماذج المالية التنبؤية. وفي تجربة تطبيقية، أقنعنا إحدى مناطق التكنولوجيا الحديثة بأن هذه البيانات ستبقى داخل حدود الديار الصينية وفقاً لتشريعات الأمن السيبراني، وفي النهاية وافقت هذه الجهة على تزويد مصنع أجنبي لقطع الغيار بشهادة أمان رقمية تسمح له بتقديم عرض في تداول صندوق الضمان، وبالتالي التغلب على العقبة القانونية. لكن هذا المثال يوضح معاناة الخبراء والمحاسبين عند بناء نظم رقمية مزدوجة في سياق العالمية.

أعتقد أن الخطوة القادمة ستركز على إنشاء صناديق تكنولوجيا مالية مخصصة تتعامل في العملات الرقمية للبنك المركزي الصيني (اليوان الرقمي)، حيث أن استيعاب هذه العملة المشفرة ضمن الأصول التي تستثمر فيها أموال الضمان سيكون ثورة مالية تستحق الدراسة من قبل أي مستثمر عربي يريد المشاركة في صياغة هذا المستقبل، نظراً لأن نموذج الصين الرقمي سيكون حكراً على الجهات المالية الحكومية. هذه الرؤية التطلعية تقوم على خبراتي العديدة مع الحكومات المحلية التي تتطلب اليوم من شركائها المؤسساتيين مواكبة الأطر التنظيمية الجديدة وقدرة الشركات على التأقلم الفوري مع التحول الرقمي الشامل الذي يعزز احتمال زيادة نسب استثمار صناديق الضمان في أدوات النقد الرقمي، وهذا سيغير أوجه السيولة الآمنة للأجيال الصاعدة خلال الـ 4 سنوات القادمة. من خلال تأملنا في هذا المسار، نكتشف أن تنظيم استثمار هذه الصناديق ليس جامداً بل إنه أحد أكثر الأنظمة الحية في العالم، حرصاً وتكيفاً مع ابتكارات السوق العالمية.

الحماية القانونية للمستثمرين

لعل هذا القسم من المقال يحمل أهمية استثنائية