مرحباً بكم، أنا الأستاذ ليو. بعد 12 عاماً من العمل في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، و14 عاماً من الخبرة في مجال خدمات تسجيل الشركات الأجنبية وتأسيسها في الصين، شهدت عن كثب تحول الاقتصاد الصيني من "مصنع العالم" إلى "مختبر الابتكار العالمي". اليوم، لا يمكن لأي مستثمر أجنبي يتطلع إلى آسيا أن يتجاهل القوة الصاعدة لصناعة الذكاء الاصطناعي في الصين. هذه ليست مجرد موجة تكنولوجية عابرة، بل هي تحول جذري يخلق منظومة اقتصادية جديدة بالكامل، تفتح أبواباً لا حصر لها للتعاون. أتذكر جيداً عندما بدأت أرى مصطلحات مثل "التعلم العميق" و"الشبكات العصبية" تظهر في عقود تأسيس الشركات التي نعالجها، كنت أعرف أن اللعبة قد تغيرت. دعونا نستكشف معاً هذا المشهد الواعد، ليس كمراقبين فقط، بل كشركاء محتملين في رحلة الابتكار هذه.
السياسات الداعمة
لعل أول ما يلفت انتباه المستثمر الأجنبي هو الالتزام الاستراتيجي والحكومي غير المسبوق الذي تقدمه الصين لدعم قطاع الذكاء الاصطناعي. منذ إطلاق "خطة الجيل الجديد للذكاء الاصطناعي" في عام 2017، حوّلت الصين هذا المجال إلى أولوية وطنية. هذا ليس مجرد بيان طموح؛ لقد رأيت تأثيره المباشر على الأرض. على سبيل المثال، تقدم العديد من المدن الكبرى مثل شنغهاي وبكين وشنجن حوافز ضريبية سخية، ومنح بحثية، وتسهيلات في الحصول على الأراضي للمؤسسات العاملة في الذكاء الاصطناعي. الحكومة تعمل أيضاً كـ "مستخدم أول" للتكنولوجيات الناشئة، مما يوفر سوقاً فورية للمنتجات والخدمات. من خلال عملي، ساعدت عدة شركات ناشئة أوروبية في مجال الرؤية الحاسوبية على الاستفادة من هذه السياسات، حيث سهلنا لها عملية التسجيل والحصول على تصنيف "شركة التكنولوجيا الفائقة"، مما خفض معدل ضريبة الدخل لديها بشكل كبير. التحدي هنا غالباً ما يكون في فهم التفاصيل البيروقاطية والإجراءات المحلية، وهو ما نعمل على تبسيطه للعملاء.
هذا الدعم لا يقتصر على التمويل، بل يشمل بناء البنية التحتية، مثل مراكز البيانات الضخمة وشبكات الجيل الخامس، والتي تعتبر أساساً لأي تطبيق متقدم للذكاء الاصطناعي. كما تشجع السياسات التعاون بين الجامعات والشركات، مما يسرع نقل التكنولوجيا من المختبر إلى السوق. للمستثمر الأجنبي، هذا يعني الدخول إلى بيئة حيث المخاطر التقنية والتجارية مخففة إلى حد كبير بفضل هذا الإطار الداعم. النصيحة التي أقدمها دائماً: لا تنظر إلى الصين كسوق واحد متجانس؛ ادرس السياسات على مستوى المقاطعة والمدينة، فكل منها قد تقدم مزايا فريدة تناسب نموذج عملك الخاص.
قوة السوق والبيانات
ما يميز الصين حقاً هو حجم السوق الهائل وتنوع البيانات المتولدة يومياً. مع وجود أكثر من مليار مستخدم للإنترنت، تخلق الصين كمية هائلة من البيانات في مجالات التجارة الإلكترونية، والمدفوعات عبر الهاتف المحمول، والوسائط الاجتماعية، والتنقل الحضري. هذه البيانات هي "الوقود" الذي يغذي خوارزميات الذكاء الاصطناعي ويجعلها أكثر ذكاءً وسرعةً في التعلم. تخيل تطوير نظام للتعرف على الوجه: في سوق صغير، قد تحتاج سنوات لجمع عينات كافية؛ في الصين، يمكن جمع وتدريب النماذج على ملايين الصور في فترة قصيرة جداً.
من خلال تجربتي، قابلت مستثمراً من الشرق الأوسط كان مهتماً بقطاع التجزئة الذكي. أظهرنا له كيف أن دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في متاجر التجزئة الصينية لا يعتمد فقط على الكاميرات، بل على تحليل سلوكيات الشراء عبر منصات متعددة، مما يخلق صورة شاملة عن المستهلك. هذا العمق في البيانات يسمح بتطوير حلول مخصصة جداً وفعّالة. ومع ذلك، يأتي هذا مع تحديات تنظيمية مهمة، خاصة مع تشديد قوانين حماية البيانات الشخصية في الصين. جزء كبير من عملي مع العملاء الجدد هو مساعدتهم على تصميم نماذج أعمال تتوافق مع "قانون حماية المعلومات الشخصية" منذ اليوم الأول، لتجنب المشاكل لاحقاً. إنها مسألة موازنة بين الابتكار والامتثال.
النظام البيئي للابتكار
لم تعد صناعة الذكاء الاصطناعي في الصين تقتصر على عمالقة التكنولوجيا مثل بايدو وعلي بابا وتينسنت. لقد نشأ نظام بيئي ديناميكي ومتعدد المستويات يشمل الآلاف من الشركات الناشئة المبتكرة، ومراكز الأبحاث الجامعية، ومسرعات الأعمال، وصناديق الاستثمار الجريء. هذا التنوع يعني أن فرص التعاون متعددة الأشكال. يمكن للمستثمر الأجنبي الاستثمار المباشر في شركات ناشئة واعدة، أو إنشاء مشاريع بحثية مشتركة مع الجامعات، أو حتى تأسيس مركز تطوير خاص به في أحد المجمعات التكنولوجية المتخصصة.
أتذكر حالة لعميل من جنوب شرق آسيا أراد تطوير حلول ذكاء اصطناعي للزراعة الدقيقة. بدلاً من بناء كل شيء من الصفر، قمنا بتوصيله بشركة ناشئة صينية متخصصة في تحليل الصور عبر الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار. كانت الشركة الصينية تملك التكنولوجيا والخبرة المحلية، بينما قدم العميل فهمه العميق لسوقه المحلي ورأس المال. لقد نجح التعاون لأنه كان مكملاً. الدرس هنا هو أن القيمة لا تكمن فقط في جلب التكنولوجيا إلى الصين، بل أيضاً في اكتشاف الشراكات الذكية داخل النظام البيئي الصيني نفسه. في بعض الأحيان، يكون "الابتكار المفتوح" وشراكة "الربح المشترك" هما المفتاح الحقيقي.
التطبيقات العملية العميقة
أحد أسباب النجاح السريع للذكاء الاصطناعي في الصين هو تركيزه القوي على التطبيقات العملية التي تحل مشاكل حقيقية. لا يقتصر الأمر على الأبحاث الأكاديمية فحسب، بل يتغلغل في كل قطاع تقريباً: من الرعاية الصحية (التشخيص المساعد) والتمويل (الائتمان الاجتماعي، مكافحة الاحتيال) إلى التصنيع الذكي (الصيانة التنبؤية) والمدن الذكية (إدارة حركة المرور). هذا التنوع يخلق فرصاً للمستثمرين من مختلف الخلفيات الصناعية.
في مجال عملي، لاحظت اهتماماً متزايداً من مستثمري الشرق الأوسط في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال "اللوائح والامتثال". على سبيل المثال، ساعدت شركة أوروبية متخصصة في برمجيات "التقارير المالية الذكية" على دخول السوق الصينية. كانت تقنيتها قادرة على أتمتة جزء كبير من عملية إعداد التقارير المالية والضريبية للشركات متعددة الجنسيات، وهو أمر معقد في الصين بسبب الاختلافات المحلية. لقد وجدت سوقاً جاهزاً لأن الشركات المحلية والدولية على حد سواء تبحث عن طرق لخفض التكاليف وزيادة الدقة. هذا يظهر أن الفرصة قد تكون في جلب حلول ذكية لمشاكل إدارية وتنظيمية معقدة، وليس فقط في المنتجات الاستهلاكية الواضحة.
الاستثمار الأجنبي والاندماج
تدرك الصين أن الابتكار الحقيقي يحتاج إلى منظور عالمي. لذلك، فتحت أبواب الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. لم تعد هناك قيود ملكية صارمة في العديد من المجالات الفرعية كما في الماضي. يمكن للشركات الأجنبية الآن إنشاء شركات مملوكة بالكامل لها في مجالات مثل تطوير البرمجيات، والخدمات السحابية، والاستشارات التقنية. هذا انفتاح استراتيجي يهدف إلى جذب رأس المال والخبرة العالمية.
من التحديات العملية التي أواجهها مع المستثمرين الجدد هي "التوطين". ليس التوطين التقني فحسب، بل التوطين الإداري والثقافي. كيف تبني فريقاً محلياً؟ كيف تفهم تفضيلات المستهلك الصيني التي قد تختلف جذرياً؟ كيف تتعامل مع ديناميكيات العمل السريعة جداً هنا؟ أحياناً أقول للناس: "السوق الصيني سريع، سريع جداً. ما تعتبره 'سرعة' في بلدك، قد يكون 'سرعة عادية' هنا". الحل الذي نوصي به غالباً هو البدء بشراكة أو إنشاء "مركز ابتكار" صغير أولاً، لفهم السوق من الداخل قبل الإطلاق الكامل. الاستثمار الناجح يتطلب الصبر والمرونة والاستعداد للتعلم.
البحث والتطوير والمواهب
لا يمكن الحديث عن تطور الذكاء الاصطناعي دون ذكر الاستثمار الهائل في البحث والتطوير وقاعدة المواهب المتنامية. تتصدر الصين العالم في عدد براءات الاختراع المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ونشر الأبحاث العلمية. جامعاتها، مثل جامعة تسينغهوا وجامعة بكين، تنتج آلاف المهندسين والعلماء الموهوبين سنوياً. بالإضافة إلى ذلك، يعود العديد من الخبراء الصينيين الذين تدربوا في وادي السليكون وغيرها إلى الوطن، حاملين معهم المعرفة والاتصالات العالمية.
هذا المشهد الغني بالمواهب يعني أن المستثمر الأجنبي لا يأتي إلى أرض قاحلة، بل إلى مكان يمكنه فيه تجنيد كفاءات عالمية المستوى. التحدي، مع ذلك، هو المنافسة الشديدة على هذه المواهب والاحتفاظ بها. تكاليف العمالة في المدن من الدرجة الأولى مرتفعة، والموظفون الطموحون يبحثون عن فرص ذات مغزى ومشاريع مبتكرة. لذلك، فإن نجاح المشروع الأجنبي يعتمد بشكل كبير على قدرته على تقديم رؤية ملهمة وبيئة عمل جذابة، وليس فقط الراتب. هذا مجال يمكن فيه للشركات الأجنبية ذات الثقافة المؤسسية المتميزة أن تتفوق.
التحديات والتأملات
بصراحة، الطريق ليس مفروشاً بالورود بالكامل. هناك تحديات حقيقية يجب وضعها في الاعتبار. أولها المنافسة المحتدمة. السوق الصيني تنافسي للغاية، والشركات المحلية تفهم المستهلك وتتحرك بسرعة خاطفة. التحدي الثاني هو الإطار التنظيمي المتطور، خاصة في مجالات الأخلاقيات وخصوصية البيانات والأمن السيبراني. القواعد تتغير وتتشكل، ويتطلب الأمر يقظة مستمرة. التحدي الثالث هو الفجوات الثقافية والإدارية التي ذكرتها سابقاً.
من خلال خبرتي، وجدت أن المفتاح لتجاوز هذه التحديات هو الشفافية وبناء العلاقات طويلة الأمد. لا تأتي بفكرة "الضربة السريعة". تعلم اللغة والثقافة، أو احصل على شركاء محليين موثوقين يفعلون ذلك. استثمر الوقت في بناء "غوانشي" (علاقات) حقيقية مع الشركاء والجهات التنظيمية. في النهاية، الصين تريد مستثمرين جادين يساهمون في تطوير صناعتها التكنولوجية على المدى الطويل، وليس من يبحث عن ربح سريع فقط. هذا هو المنظور الذي يجب أن يبدأ منه أي تعاون.
## الخلاصة والتطلعات المستقبليةفي الختام، تقدم صناعة الذكاء الاصطناعي في الصين أكثر من مجرد فرصة استثمارية؛ إنها نافذة على مستقبل التقنية وأحد أكثر أسواق الابتكار ديناميكية في العالم. لقد استعرضنا كيف أن الدعم الحكومي، وقوة السوق والبيانات، والنظام البيئي النابض بالحياة، والتركيز على التطبيقات العملية، وانفتاح الاستثمار الأجنبي، وقاعدة البحث والمواهب، تشكل معاً صورة جذابة للمستثمر العالمي. ومع ذلك، النجاح يتطلب أكثر من رأس المال؛ يتطلب فهماً عميقاً، واستراتيجية توطين ذكية، وشراكات حقيقية، وصبراً استراتيجياً.
من وجهة نظري الشخصية، بعد سنوات من العمل على أرض الواقع، أعتقد أن المرحلة القادمة ستشهد تعاوناً أكثر عمقاً وتكاملاً. لن يكون الأمر مجرد "نقل التكنولوجيا" من الخارج، بل "الابتكار المشترك" من أجل الصين والعالم. المجالات الواعدة تشمل الذكاء الاصطناعي من أجل أهداف التنمية المستدامة، والتقنيات الخضراء، والذكاء الاصطناعي الذي يفسر نفسه (Explainable AI) لتعزيز الثقة. للمستثمرين الناطقين بالعربية، هناك مجال واسع للعب دور في الجسر بين الابتكار الصيني واحتياجات الأسواق الناشئة في الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث تتشابه بعض التحديات التنموية.
الأمر يشبه بناء جسر. تحتاج إلى أساس قوي (الفهم والامتثال)، ودعائم صلبة (الشراكات والتقنية)، ومسار واضح (الاستراتيجية)، ولكن الأهم هو حركة المرور المستمرة من كلا الجانبين – تبادل الأفكار، والخبرات، والقيم. هذا هو التعاون الحقيقي الذي سيدوم.
## رؤية شركة جياشي للضرائب والمحاسبةفي شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، نرى أن تطور صناعة الذكاء الاصطناعي في الصين ليس مجرد تحول قطاعي، بل هو محرك رئيسي لإعادة تشكيل بيئة الأعمال بأكملها. انطلاقاً من خبرتنا التي تمتد لأكثر من عقد في خدمة المستثمرين الأجانب، نؤمن بأن فرص التعاون في هذا المجال تتطلب أكثر من مجرد استشارات قانونية أو ضريبية تقليدية؛ فهي تتطلب فهماً متكاملاً للمشهد التكنولوجي السريع التغير، واللوائح المرنة، وديناميكيات السوق الفريدة. مهمتنا هي أن نكون الشريك الإداري والامتثالي الموثوق للمستثمرين الذين يدخلون هذا المجال. نحن نساعدهم على ترجمة رؤيتهم التكنولوجية إلى كيان عملي في الصين، بدءاً من هيكلة الشركة الأمثل لتلائم الحوافز المحلية، ومروراً بالإرشاد خلال قوانين حماية البيانات المعقدة، ووصولاً إلى إدارة الامتثال الضريبي في بيئة متطورة. نرى أنفسنا كجسر يربط بين الابتكار العالمي والأرضية التنظيمية والتنفيذية في الصين، لضمان أن يركز عملاؤنا على ما يجيدونه – الابتكار – بينما نعتني نحن بتفاصيل "التشغيل" المحلية، مما يضمن نمواً مستداماً وخالياً من المتاعب في واحدة من أكثر أسواق الذكاء الاصطناعية إثارة في العالم.