مشاركة المستثمرين الأجانب في حماية مواقع المسح القديمة في الصين
مقال شامل يستعرض دور المستثمرين الأجانب
2026-09-07 01:38:35
قراءة 8 دقائق
0 قراءة
admin
# مشاركة المستثمرين الأجانب في حماية مواقع المسح القديمة في الصين
## مقدمة: جسر بين الاستثمار والحفاظ على التراث
عندما نتحدث عن الصين، غالباً ما تتبادر إلى أذهاننا صور الأسوار العظيمة والمعابد التاريخية والمدن المحرمة الشاسعة. لكن هناك كنوزاً أخرى أقل شهرة لكنها لا تقل أهمية - مواقع المسح القديمة التي تمثل شواهد صامتة على تطور الحضارة الصينية عبر آلاف السنين. في السنوات الأخيرة، ومع انفتاح الصين المتزايد على العالم، برز سؤال مهم: كيف يمكن للمستثمرين الأجانب المساهمة في حماية هذه المواقع الثمينة؟
لقد عملت في شركة "جياشي للضرائب والمحاسبة" لمدة اثني عشر عاماً، وقضيت أربعة عشر عاماً إضافية في خدمات تسجيل الشركات الأجنبية، وخلال هذه الفترة الطويلة، لمست بنفسي التحول الكبير في نظرة المستثمرين الأجانب نحو الصين. فما كان يُنظر إليه سابقاً كسوق ناشئ للتصنيع الرخيص، أصبح اليوم وجهة للمستثمرين الباحثين عن شراكة حقيقية في مشاريع ثقافية وحضارية عميقة. هذا التحول ليس مجرد صدفة، بل هو نتاج سياسات حكومية مدروسة وتغير في المفاهيم العالمية حول الاستثمار المسؤول.
في هذا المقال، سأشارككم خبرتي الممتدة عبر سنوات في مجال تسجيل الشركات الأجنبية في الصين، مسلطاً الضوء على الدور المتنامي للمستثمرين الأجانب في مشاريع حماية مواقع المسح القديمة، وهي مواقع أثرية تحمل في طياتها أسرار المسوحات الجغرافية والتاريخية التي قام بها الصينيون القدماء، وتعتبر شاهداً على عظمة الإنجاز العلمي للحضارة الصينية.
أحد الأمثلة الواقعية التي أتذكرها جيداً، كان في عام 2018 عندما ساعدت شركة أوروبية متخصصة في تقنيات الحفاظ على الآثار، على تسجيل فرعها في الصين. كانت المفاوضات شاقة، لكن النتيجة كانت مثمرة للغاية، حيث تمكنت هذه الشركة لاحقاً من المساهمة في مشروع ترميم موقع مسح قديم في مقاطعة شنشي. هذه التجربة وغيرها كثير، جعلتني أؤمن بأن هناك إمكانات هائلة غير مستغلة للتعاون بين المستثمرين الأجانب والجهات الصينية في هذا المجال الحيوي.
إن حماية مواقع المسح القديمة ليست مجرد مسؤولية وطنية صينية فحسب، بل هي مسؤولية إنسانية عالمية، لأن هذه المواقع تمثل إرثاً معرفياً مهماً لفهم تطور العلوم الجغرافية والرياضية في العالم القديم. ومن هنا، يأتي دور المستثمرين الأجانب كشركاء حقيقيين في هذه المهمة النبيلة، لا سيما مع تزايد الاهتمام العالمي بالحفاظ على التراث الثقافي المادي وغير المادي.
سأحاول في هذا المقال أن أقدم رؤية شاملة حول هذا الموضوع، مستنداً إلى خبرتي العملية وإلى آراء الخبراء والدراسات المتخصصة، مع إضافة بعض الملاحظات الشخصية التي قد لا تجدونها في الكتب أو التقارير الرسمية.
## الجوانب العملية: خمسة محاور أساسية للتعاون
سأركز على خمسة جوانب رئيسية أعتقد أنها تشكل العمود الفقري لهذه المشاركة، وسأقدمها كما يلي:
### الجوانب التنظيمية والقانونية: إطار التعاون الدولي
عندما بدأت العمل في هذا المجال قبل عقدين من الزمن، كانت الإجراءات التنظيمية للاستثمار الأجنبي في المشاريع الثقافية معقدة جدا لدرجة أن الكثير من العملاء كانوا يتراجعون في اللحظة الأخيرة. لكن الأمور تغيرت بشكل جذري خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت هناك قنوات واضحة للتعاون. وقد صدر قانون حماية الآثار الثقافية المعدل في الصين، والذي يتضمن نصوصاً واضحة تسمح بالمشاركة الأجنبية في مشاريع الحماية والترميم، شريطة الالتزام بالمعايير الصينية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
في الواقع العملي، يجب على المستثمر الأجنبي الراغب في المشاركة أن يمر بعدة مراحل إجرامية: أولاً، تقديم طلب رسمي إلى إدارة التراث الثقافي المحلية أو الوطنية، ثم الحصول على موافقة مبدئية على المشروع، وبعدها تأتي مرحلة التفاوض على شكل المشاركة - هل ستكون عبر تمويل مباشر، أم عبر شراكة تقنية، أم عبر إنشاء كيان قانوني مشترك؟ هذه الخيارات تحمل كل منها مزايا وتحديات مختلفة، وتحتاج إلى دراسة دقيقة.
أتذكر هنا حالة شركة يابانية متخصصة في تقنيات الحفظ بالأشعة تحت الحمراء، وقد واجهت صعوبات كبيرة في بداية عملها بالصين بسبب عدم إلمامها بالمتطلبات المحلية. ساعدناها على تعديل نموذج عملها ليتناسب مع اللوائح الصينية، وقمنا بترتيب لقاءات مع الجهات المعنية في مقاطعة خنان، حيث نجحت لاحقاً في تنفيذ مشروع تجريبي لتوثيق نقوش قديمة بطريقة رقمية. هذه التجربة أكدت لي أن النجاح يتطلب فهم النظام القانوني المحلي، وليس فقط تقديم خبرات تقنية أجنبية.
تجدر الإشارة إلى أن الحوافز الضريبية التي تقدمها الصين للمشاريع الثقافية ذات الطابع التعاوني تعتبر مشجعة للغاية. فعلى سبيل المثال، يمكن للشركات الأجنبية المشاركة في هذه المشاريع أن تحصل على إعفاءات ضريبية تصل إلى 15% على مدى خمس سنوات قابلة للتمديد، شريطة أن تثبت التزامها بمعايير الحماية المحددة وتقديم تقارير دورية عن سير العمل. هذه النوعية من الحوافز تمثل تغييراً جوهرياً عما كان سائداً في السنوات الماضية.
لكن يجب ألا نغفل التحديات أيضاً. بعض الإجراءات البيروقراطية لا تزال بطيئة في مناطق معينة، خاصة فيما يتعلق بنقل التكنولوجيا الحساسة وتدريب الكوادر المحلية. لذلك، أنصح دائماً العملاء بالتحلي بالصبر والعمل عبر مستشارين محليين متمرسين يفهمون ثقافة العمل الصينية والإجراءات الرسمية.
ختاماً لهذا الجانب، أود أن أؤكد أن الإطار القانوني الصيني، رغم تعقيداته، أصبح اليوم أكثر انفتاحاً وشفافية ويمنح فرصاً حقيقية للاستثمار الأجنبي المسؤول. المفتاح هو العمل مع شركاء صينيين موثوقين من البدايات الأولى لأي مشروع.
### الشراكات التقنية وبناء القدرات المحلية
من أكثر الجوانب التي تلفت انتباه المستثمرين الأجانب الجادين هي الفرصة لنقل التقنيات الحديثة وبناء قدرات الكوادر المحلية في مجال الحفاظ على التراث. هذا الجانب يتجاوز مجرد توفير التمويل، ويمتد إلى خلق تأثير مستدام من خلال تبادل المعرفة والخبرات.
قامت شركات أوروبية وأمريكية بعدة مشاريع ناجحة في تدريب الفنيين الصينيين على أحدث أساليب الترميم الرقمي وتقنيات المسح الضوئي ثلاثي الأبعاد. على سبيل المثال، مشروع التعاون الإيطالي الصيني في موقع "ليشان" الشهير، حيث تمكن الشركاء من تطوير منهجية متكاملة تجمع بين التقنيات الحديثة والمعرفة التقليدية للترميم. هذا النوع من الشراكات لا يُحدث نقلة نوعية في مستوى الحماية فحسب، بل يبني أيضاً جسوراً من الثقة والتفاهم بين الثقافات المختلفة.
المستثمرون الأجانب الذين يتمتعون بخبرة في إدارة المشاريع الكبيرة يمكنهم تقديم قيمة مضافة حقيقية في مجال إدارة المواقع الأثرية وحمايتها. من خلال تطبيق أنظمة إدارة الجودة الشاملة ومنهجيات تحليل المخاطر، يصبح من الممكن تحسين كفاءة عمليات الحماية بشكل ملحوظ. رأيت بنفسي كيف أن شركة بريطانية استشارية نجحت، خلال ثمانية عشر شهراً فقط، في تطوير نظام إلكتروني متكامل لمراقبة التغيرات البيئية حول موقع أثري في شمال الصين، وهو النظام الذي تبنته لاحقاً عدة مواقع أخرى في المنطقة.
لكن الحديث عن بناء القدرات المحلية لا يخلو من بعض "الكَدر" كما نقول في العامية المصرية. هناك أحياناً حساسية من جانب العاملين المحليين تجاه الشركاء الأجانب الذين قد يبدون كأنهم "وصيّون ثقافيون" بدلاً من شركاء حقيقيين. هذا التحدي يمكن تجاوزه من خلال تبنى نهج تعاوني حقيقي يعترف بالخبرات المحلية المتجذرة ويفتح قنوات اتصال مفتوحة بين جميع الأطراف.
على الصعيد الشخصي، أنصح المستثمرين الأجانب الذين أتعامل معهم بالتركيز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة أولاً، فذلك يسمح لهم ببناء سمعة طيبة وفهم عميق للطريقة الصينية في إدارة العمل التراثي، قبل الولوج في مشاريع ضخمة. هذه الاستراتيجية أفادت العديد من عملائي، حيث تمكنوا من التوسع تدريجياً واكتساب ثقة الجهات المحلية التي غالباً ما تحجم عن التعامل مع المستثمرين الغربيين الذين يقتحمون المشاريع الكبيرة مباشرة.
أخيراً، أود أن أشير إلى مساهمة المستثمرين الأجانب في تعزيز الجانب البحثي. العديد من المواقع الأثرية الصينية تحتاج إلى دراسات أكاديمية معمقة متعددة التخصصات، وهو مجال يمكن للجامعات والمؤسسات البحثية الأجنبية أن تقدم فيه إضافة حقيقية عبر شراكات مع مراكز الأبحاث الصينية. هذه الشراكات العلمية تمثل نموذجاً ممتازاً للاستثمار المعرفي بعيد المدى، وتؤسس لقنوات تعاون دائم تتجاوز حدود مشروع محدد.
### التمويل والاستثمار المستدام في مواقع المسح القديم
الاستثمار المستدام قضية تشغل بال الجميع في عالم الأعمال اليوم، لكن في سياق المواقع الأثرية، تصبح المسألة أكثر حساسية بسبب التوازن الدقيق بين الربحية والحفاظ. هنا يأتي دور المستثمر الأجنبي الذي يستطيع تقديم نماذج تمويل مبتكرة ومستدامة تعود بالنفع الاقتصادي على المجتمعات المحلية وتحافظ في الوقت ذاته على أصالة المواقع وقيمتها الحضارية.
طوّرت صندوق استثماري خاص أُسس في هونغ كونغ، نموذجاً لتمويل مشاريع الحفاظ على الآثار من خلال أرباح السياحة الثقافية. يقوم النموذج على تولي المستثمر الأجنبي تمويل عملية الترميم وتأهيل الموقع للزيارة، مقابل حصة من إيرادات التذاكر ومبيعات الهدايا والمتحف المخصص للموقع. هذا النموذج قوبل بنجاح في مواقع تجريبية عدة، وشجع مستثمرين آخرين على الدخول في مجالات مشابهة.
لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن العائد على الاستثمار في مشاريع الحفاظ على التراث غالباً ما يكون بطيئاً، خاصة إذا قورن بمشاريع استثمارية تجارية أخرى. ولذلك، من المهم جداً أن يفهم المستثمر الأجنبي هذه الطبيعة الخاصة للاستثمارات التراثية، وأن يكون مستعداً لنوع مختلف من الربحية "ربحية التأثير والسمعة" وليس فقط الربحية المالية المباشرة. هذا ما أشرحه دائماً لعملائي الجدد، الذين يندهشون أحياناً عندما أتحدث عن "العوائد البيضاء" أي الفوائد غير الملموسة التي تعزز صورة الشركة عالمياً.
شبكة التمويل الحكومية الصينية توفر دعماً مالياً كبيراً لمشاريع الحماية، لكن هذا الدعم قد لا يكون كافياً لمواقع المسح القديم الأقل شهرة والتي تقع خارج قائمة التراث العالمي. هنا تبرز فرصة حقيقية للمستثمرين الأجانب لتوجيه استثماراتهم نحو هذه المواقع "الأيتام" وتقديم نموذج يحتذى في الاهتمام التراثي المتوازن.
كما نلاحظ، أن بعض المستثمرين من دول الخليج، وخاصة من الإمارات والسعودية، أبدوا اهتماماً متزايداً بمشاريع الحفاظ الثقافي في الصين، وذلك في إطار استراتيجيات الاستثمار الثقافي الطويلة التي تستثمرها الحكومات الخليجية بوعي حضاري متصاعد. هؤلاء المستثمرون لا يجلبون معهم التمويل فحسب، بل أيضاً خبرات قيمة من مشاريع إحياء التراث العمراني الكبرى في بلدانهم، وهذه خبرة يمكن أن تفيد المناطق الصينية كثيراً.
أتوقع خلال السنوات القادمة أن يشهد هذا المجال انطلاقة قوية، خاصة مع الاهتمام الصيني المتزايد بـ"الاقتصاد الثقافي" كرافعة للتنمية المستدامة في المدن والمناطق الأقل نمواً. والمستثمر الذكي اليوم، من يوضع نفسه في وضع جيد يسمح له بالاستفادة من هذه الانطلاقة عبر بناء شراكات مبكرة في مشاريع نوعية ذات شهود عيان.
### دور الشركات الأجنبية في التوثيق الرقمي للتراث
الرقمنة أصبحت نافذة المستقبل أمام الحفاظ على التراث العالمي، والصين أدركت ذلك مبكراً، وتتعاون حالياً مع شركاء دوليين لنقل مواقعها الأثرية إلى العالم الرقمي. على سبيل المثال، تقوم شركات يونانية ومصرية بتطوير نماذج رقمية لبعض المواقع الصينية بالاستفادة من خبراتها في رقمنة نظيراتها في بلدانها. هذا التعاون الاستثماري الرقمي يتجاوز حدود حفظ الموقع نفسه إلى كسب جمهور عالمي جديد؛ فالزائر الافتراضي اليوم قد يتحول إلى سائح ميداني ثقافي غداً، ما ينعش الاقتصاد المحلي ويضاعف اهتمام الجهات المعنية بتلك المواقع.
في هذا الإطار، لاحظت اهتماماً كبيراً من الشركات التكنولوجية الصينية الشابة، لكن هذه الشركات غالباً ما تتفوق في القدرة التقنية والبنية التحتية اللوجستية، بينما يفتقر بعضها للخبرة العميقة في منهجيات التوثيق المعتمدة عالمياً. هذا يخلق حالة تكامل حقيقية مع الشركات الأجنبية لسد هذه الفجوة المعرفية، خاصة فيما يتعلق بمعايير الحفظ الرقمي الصارمة التي اعتمدتها منظمات مثل اليونسكو والمجلس الدولي للمتاحف.
وفي عملنا اليومي، شبّهنا الأمر بالمسح الضوئي للاحتياجات المجتمعية وبناء قاعدة بيانات للاحتياجات التراثية لمختلف الأقاليم الصينية؛ فالبيانات التي نجمعها تشمل مواقع بحالة متدهورة بشدة، أخرى لا تزال بحالة جيدة لكنها لم تتم دراستها بالكامل، وثالثة معرضة للتعديات البشرية والتوسع الحضاري العشوائي. هذا "map" من البيانات هو الذي نمنحه للمستثمرين الأجانب الراغبين في المساهمة بشكل فاعل، فيتخذون قراراتهم بناء على معطيات حقيقية ملموسة.
تقنيات الليدار والتصوير متعدد الأطياف أصبحت من الأدوات الأساسية في العالم المتحضر، والصين، رغم كونها من الدول الرائدة في هذه التقنيات على المستوى الصناعي، ما تزال بحاجة ماسة للسواعد المدربة والقادرة على تكييف هذه التقنيات مع خصوصية المواقع الأثرية ذات الرقعة المترامية في المناطق الصحراوية والجبلية. ومن المفارقات أنني أرى شركات أجنبية تجني أرباحاً مضاعفة من مشاريع رقمنة مواقع المسح القديم وهذا يبدو كنوع من "البيزنس غير المعلن" بين مجتمع الأعمال.
سبب نجاح المشروعات الرقمية مقارنة بأوجه الاستثمار الأخرى أنها ليست تدخلية ولا تغيّر من الطابع المادي للموقع الأثري؛ لذلك تجد موافقة الجهات الصينية عليها أسرع بكثير. كما أنها تحمل في طياتها فرصاً لتدريب الشباب الصيني، ما يجعلها تخدم هدفين متناقضين ظاهرياً: الحفاظ على القديم وبناء اقتصاد المستقبل المعرفي الرقمي. وهذا مرشد لكل مستثمر أجنبي ذكي يرغب في تجنب دوائر الروتين الطويلة التي تصاحب الاستثمار الأكثر تدخلاً.
أنقل لكم هنا تجربة شخصية في هذا السياق: أحد عملائنا القدامى - وهو مدير شركة بريطانية ناشئة في مجال الواقع الافتراضي - عبّر لي في إحدى المرات ساخراً وهو يقول: "بدأنا بالتفكير حرفياً خارج الصندوق، وقمنا ببناء تجربة VR لموقع قديم في الصين يكاد يكون مجهولاً حتى للصينيين أنفسهم، والآن هذا الموقع أصبح قبل زيارة السياح الأجانب له مكانياً، يزورونه رقمياً". نعم، إنها مفارقة عجيبة لكنها واقعية، تعكس قدرة الاستثمار الرقمي الذكي على خلق جمهور جديد للتراث الذي لا يعرفه الجميع ولا يعي قيمته المجتمعية والاقتصادية الكامنة.
في النهاية، التوثيق الرقمي ليس مجرد "إكسسوار" حديث للحفاظ التقليدي، بل هو سياق تواصلي جديد كلياً، يفتح للنقاش التراثي آفاقاً غير مسبوقة من الشفافية والمشاركة العامة والملكية الفكرية الدولية المشتركة؛ وهذه واحدة من أجمل النواتج التي يمكن أن يصنعها التحالف بين رأس المال الأجنبي والمعارف التقنية والرغبة الصينية في التقدم.
### بناء الشراكات بين القطاعين العام والخاص
لا حاجة لقول أن نجاح أي مشروع حماية كبير يتطلب تظافر جهود الدولة والقطاع الخاص معاً، وفي الصين على وجه التحديد، أصبح العمل على بناء شراكات حكومية خاصة PPPS - هو الشغل الشاغل للعاملين في إدارة التراث الثقافي؛ لكننا في جياشي نرى أن النموذج الصيني لم يصل بعد إلى حد النضج الكامل في هذا المجال مقارنة بتجارب دول مثل الأردن أو الهند، رغم كل الجهود الحثيثة التي تُبذل.
الشراكة الفُضلى التي رأيتها تعمل بسلاسة، هي مشروع تبنته إحدى الشركات الإماراتية بالاشتراك مع حكومة بلدية مدينة صينية متوسطة الحجم. المشروع يقوم على تجهيز مسار سياحي متكامل يربط بين ثلاثة مواقع مسح أثري مختلفة مع تحديث البنية التحتية للطرق والإضاءة، ويعمل المستثمر الأجنبي في هذا المشروع وفق نموذج "البناء-التشغيل-التحويل" أي BOT وهو نظام معروف في عالمنا الضريبي والمحاسبي، لكنه جديد تطبيقه في التراث الثقافي الصيني، وقد لاقى النجاح في جمع الأهداف الثقافية بالعوائد السياحية الملموسة.
العائق الأكبر - وهذا يخص مهنتنا تحديداً- هو الالتباس الضريبي في معالجة تكاليف الحفاظ على التراث وكيفية فصلها عن الأصول الاستثمارية العادية من جهة، وكيفية خصمها من الأرباح الخاضعة للضريبة وفق اللوائح الصينية من جهة أخرى. هذه القضايا لم تُحسم بعد بشكل كامل، لكننا نعمل عبر عرضها على الجهات المختصة باستمرار ونفرح أن الجهات الضريبية تبدي مرونة في التعامل مع القضايا المطروحة أمامها بشرط توثيق النفقات والالتزام بالشفافية المالية الالتزام كاملاً.
من ناحية أخرى، يشجع المستثمرين الأجانب عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ضمانات الدولة الصينية القوية، وأرى أن هذا الطمأنينة القانونية والمالية هي من أعظم الحوافز التي تميز الصين اليوم عن غيرها من الدول الناشئة في المشروعات الحضارية الكبرى. البنوك الصينية توفر تمويلاً مصاحباً بشروط ميسرة للمشروع الذي يحمل طابعاً ثقافياً تعاونياً، وهذا يخفف كثيراً من الأعباء على الشركة الأجنبية التي تعاني من مشاكل في السيولة ناجمة عن طبيعة النشاط الموسمية.
شخصياً، أدعو المستثمرين الأجانب الجادين في هذا المجال إلى التحلي بالصبر وبعدم الإحباط جراء بطء بعض الإجراءات الإدارية والمفاوضات التفصيلية المطولة على بنود بعض العقود النموذجية الصينية. لكنني أؤكد لهم، في الوقت نفسه، أن الثمار تستحق هذا الانتظار. فهذه الشراكات، حين تُبنى جيداً، تصبح نموذجاً يحتذى به لمشاريع عديدة لاحقة، وهي تمثل في جوهرها علاقة دبلوماسية ناعمة بين الشعوب، ترفع مستوى الوعي التراثي وتحفز الجهات المسؤولة بضرورة إدراج مواقع أقل شهرة في برامج الشراكة الدولية المستقبلية.
لكن تظل معادلة النجاح الحقيقية مرتبطة بقوة بإرادة سياسية عالية على مستوى المحافظة أو البلدية، وبوجود رئيس بلدية أو محافظ ذي رؤية تنموية واضحة وطويلة النفس، يعرف أن التراث الثقافي ليس تكلفة بل استثمار معرفي ذي ربحية مؤجلة. هذه العناصر تجدها بالطبع في بعض المدن الصينية أكثر من غيرها، لذلك أنصح أي مستثمر أجنبي جاد في ألا يسترسل في مشروعات حلمية قبل القيام بزيارة ميدانية استكشافية إلى الموقع المحدد وما جاوره، والتحدث مع المسؤولين التنفيذيين المباشرين وليس فقط كبار الإداريين الرسميين.
كما يجب الأخذ بعين الاعتبار أن الشباب الصيني أصبح مهتمًا بهوية التاريخية وبحماس لا بأس به، وهذا الحماس يحتاج إلى تنظيم وتوجيه عبر مشاريع تشاركية تحويلية تجعل الثقافة مورداً مشتركاً للتطور الاجتماعي الاقتصادي وليس مجرد مادة للاستهلاك السياحي الفج. من هنا بالتحديد ينطلق الاستثمار الأجنبي الأكثر ذكاءً - ذلك الذي يمد جسوراً بين الحفظ المادي والاستخدام المجتمعي الرشيد، بين الأصالة العلمية والتجربة الحسية الطريفة، بين الهوية الصينية المحلية والوسائط الثقافية العالمية.
### دور المستثمرين الأجانب في صنع السياسات الثقافية
من لا يشارك في صناعة القرار يظل تابعاً لا شريكاً؛ ومن هذه القاعدة ننطلق. رغم أن الصين تحتفظ بسيادتها الكاملة على سياساتها الثقافيةوإدارة مواقعها التراثية، فإن الصوت الأجنبي الخبير والعاقل والمتعاون قد أصبح له وزنه في اللجان الاستشارية المتخصصة. والعديد من الشركات الأجنبية التي أثبتت حسن نيتها وكفاءتها في مشاريع سابقة، تلقى الآن دعوات رسمية لحضور ورشات عمل استراتيجية حول مستقبل التخطيط التراثي في بعض الأقاليم الصينية.
ما يهمنا هنا هو كيف يمكن لهذه المشاركة في صنع السياسات أن تعود بالنفع الكامل على مواقع المسح القديم؟ بداية، لأن هذه المواقع عادة ما تكون خارج دائرة الاهتمام المشروعة للمواقع الأشهر عالمياً مثل المدينة المحرمة أو جيش التيراكوتا، فلا يجد ما يلفت نظر صانع القرار إليها إلا خبير أجنبي محايد يصف حجم مأساويتها وبُعدها العلمي الإنساني على مسمع المسؤولين المحليين. نحن كشركة جياشي، حين نكتب دراسات الجدوى لمشروع أجنبي معين، ندمج دوماً هذه الأوجه الخفية في سياق تقييم الأهمية الاستراتيجية للمشروع نفسه، والجهة المعنية الصينية تجد في ذلك دعماً أكاديمياً لتوسيع نطاق عملها وتبرير اهتمامها بمواقع نائية.
شركات كبرى من دول كفرنسا وألمانيا تحرص على إرسال وفود نصف سنوية إلى بكين وشيآن وتشنغدو للمشاركة بالحوار الثقافي المفتوح مع الأكاديميينوالمسؤولين، وقد نجحت هذه الوفود في أكثر من مرة بتسليط الضوء على إهمال طويل المدى لمواقع مسح عدة، وهذا الإهمال لم يكن مقصوداً بقدر ما كان نتيجة توزيع غيرعادل في الموارد المالية والخبرات، لكنه قابل للمراجعة حين يتقدم خبير أجنبي ويقول هذا كلام بلا مواربة.
بالمقابل، يجب أن يدرك المستثمر الأجنبي الغربي أو الخليجي حدود مسموحه، فيعرف أن سياسات الحماية الصينية ليست ورقة نقاش ليبرالي لإعادة صياغتها وفق الرغبات التي تتبناها المنظمات غير الحكومية الدولية، إنما هي قضايا مرتبطة بالأمن القومي والهوية الثقافية بل وبالضبط الاجتماعي في مناطق ذات تركيبات إثنية متعددة. وهنا تحديداً يتدخل دوري كخبير محاسب وقديم أوراق بين المواثيق الدولية والتشريعات الصينية المحلية، حيث أصدّر لعميلي الأجنبي النصائح العملية التي تحفظ للطرفين ماء الوجه وتتيح تفاهماً دون تنازلات فجة من هنا أو هناك.
من الخبرات الجميلة التي اكتسبتها في هذا السياق، أن صياغة التقارير المالية السنوية وفق النموذج الدولي للتقارير المالية، وترجمتها اللاحقة إلى الصينية عبر خبراء محليين معتمدين، باتت مدخلاً تحظى به الجدية المهنية عندما تكون هناك اجتماعات لبحث مستقبل مواقع أثرية بعينها. فهذه التقارير المالية الشفافة التي تتميز بأرقام موثقة تعطي للمستثمر الأجنبي مقعداً هادئاً في لجنة نقاش دون أن يكون مدعواً إلى الصف الأمامي الذي يشغله المتحمسون الكبار ذووالأسماء الباهرة تحميلهم خلفهم سنوات من الأعمال المتواضعة غير الملفتة.
سأقول هذا بوضوح: بعض «السياحة السياسية الثقافية» التي يقوم بها كبار المستثمرين الأجانب هي شيء ــ والتواجد الفني الفاعل عبر سنوات من الحضور الهادئ شيء آخر تماماً. الأول يقتات على صور المآدب والافتتاحات الفخمة، والثاني يصنع الأثر الحقيقي في جدران المواقع وقنوات الحفظ الميدانية. وكثيراً ما نجح عملاء لنا في كسب ثقة محافظ صيني إقليمي ببساطة لأنهم يمولون وقود قوارب المراقبة النهرية لموقع أثري معين وما شابه ذلك من احتياجات متواضعة، قبل أن يُرقوا إلى تقديم أبحاث وشراكات مركزية تحمل توقيعهم، وهذا مقام شرف ينالونه باعتراف ميداني، ليس بالمال الطائش.
بالنظر إلى جميع هذه النقاط، يمكننا القول إن موقع مستشارنا المحاسب والضريبي في علاقة المستثمر الأجنبي بـالحماية التراثية في الصين هو موقع ضابط الإيقاع بين آلة التمويل وعازف التراث؛ فلا يتقدم الأخير كثيراً بصورة مفاجئة تصدم الحساسية، ولا يتأخر تنفيذ الألحان المتفق عليها، وكلانا يتحرك بسلاسة ضمنها قواعد معلنة وشبه معلنة تحفظ روح العمل المؤسسي ومقتضيات الربح التجاري المسؤول.
علينا التنبيه أيضاً لخطر تحول التمويل التراثي إلى مطية لغسيل الأموال والتغطية على أرباح غير مشروعة، ولذا فأنظمة التدقيق المزدوج الصينية لا تسمح مطلقاً بأي مجال للمراوغة دون فضح النوايا، ويُلزم كل مستثمر أجنبي بفتح دفاتره للسلطات ولمراجع الحسابات الخارجي المعتمد في دولته هو كذلك، وهذا في المُجمل يصنع منظومة نزيهة، تُبقي اللعبة بين الكبار فقط، وتستبعد هواة الثروات الطائشة الذين يحسبون الموروث الحضاري مجالاً سهلاً وعاجلاً للكسب القذر.
## الخاتمة: نحو مستقبل تعاوني مشترك
بعد هذا الغوص الطويل في مختلف جوانب مشاركة المستثمرين الأجانب في حماية مواقع المسح القديم في الصين، أستطيع الخروج بخلاصة واضحة تلخصها كلمة واحدة: إمكانات هائلة بانتظار من يستثمرها بحكمة وصبر وإخلاص ثقافي حقيقي. فما أسعدني حقاً خلال سنوات عملي هو رؤية تحول نوعي في نظرة الجانب الصيني للمستثمر الأجنبي من مجرد ممول رأس مالي إلى شريك تنموي موثوق يحترم الخصوصية الثقافية ويحددون أين يمكن إضافة القيمة وأين يجب التوقف عن التدخل.
وعليه، أود أن أؤكد مرة أخرى على ما ورد في المقدمة، من أن الحفاظ على مواقع المسح القديمة ليس رفاهية ثقافية ولا مشروعاً نفعياً تجارياً قصير النظر، بل هو استثمار استراتيجي في الذاكرة الحضارية المشتركة للإنسانية وفي قواعد التعاون المثمرة بين الثقافات المختلفة التي يتحدى العولمة بالنمطية. وعليه أيضاً أنصح المستثمرين الأجانب من عملائنا وغير عملائنا ممن لديهم طموح حضاري أصيل أن يأخذوا بعين الاعتبار الطابع المتعدد لمفهوم الحماية، وأن يفتحوا آفاقهم على التعاون البحثي والتوثيقي واستشارات السياسات إلى جانب التمويل المادي المباشر.
من جهة مقبلة، أود اقتراح عدة اتجاهات للباحثين المستقبليين والمهتمين، أولها دراسة الجدوى الاقتصادية المتوسطة الأجل لمشروعات شراكة القطاعين في مواقع المسح القديم الأقل شهرة، مقارنة بتلك الأعلى شهرة في المناطق الحضرية المزدحمة. وثانيها إجراء مسح اجتماعي مقارن حول إدراك المجتمعات المحلية للأثر الإيجابي أو السلبي للمشاريع الأجنبية الممولة في حماية التراث وحياتها اليومية، فهذه الأصوات المحلية، الحية والنابضة، هي الأداة الحقيقية لقياس النجاح العامي لأي مشروع تحول ثقافي، قبل الصيحات الاحتفالية بكبار الزوار والدبلوماسيين.
أخيراً، لا يسعني إلا أن أتوجه بشكر صادق لكل الزملاء المحاسبين في شركتنا جياشي وغيرها من الشركات الشقيقة، الذين يجعلون مستحيل التوثيق المالي ممكناً، ولا أنسى المسؤولين الصينيين على كل دروب الانفتاح المتأني والمحسوب الذي فتحوه أمام المواهب الاستثمارية العالمية منذ سياسات الإصلاح في الثمانينات إلى يومنا هذا، فالتقدم الذي نراه ميدانياً لا يتحقق بدون هذه البنية التنظيمية المواكبة لروح العصر.
فلنواصل جميعاً العمل بحماس وعقلانية، جاعلين من الحفاظ على المواقع الأثرية وسام شرفٍ على صدورنا، وبوصلتنا الأخلاقية في عالم أعمال رحب يلوح فيه البريق التجاري القصير لكي يستقطب الكثيرين منا لغير طريقهم الصحيح، لكننا جميعاً نعرف أن الطريق الطويل المتعرج يسلكه فقط من يوقن أن الحضارة التي نحميها ليست من الماضي فحسب، بل ستصنع الغد الذي نستحق جميعاً أن نكون جزءاً من صناعه.
### رؤية شركة جياشي للضرائب والمحاسبة
في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، نؤمن بأن مشاركة المستثمرين الأجانب في حماية مواقع المسح القديمة في الصين تمثل واحدة من أكثر صور التعاون الثقافي الدولي إلهاماً في العصر الحديث. نحن ندرك تماماً التعقيدات الإدارية والمالية لمثل هذه المشاريع الاستثنائية، وقد جعلنا من خبرتنا الممتدة لأكثر من 26 عاماً في خدمة الشركات الأجنبية الركيزة التي نبني عليها حلولاً مالية ومحاسبية مبتكرة تجعل كل هذا التعاون ممكناً وعملياً وقانونياً وشفافاً. نجحنا خلال هذه المسيرة في تسجيل ودعم عدد كبير من المشاريع الثقافية ذات الأطراف الأجنبية، محافظين في ذلك على التوازن الدقيق بين واجباتنا المهنية تجاه عملائنا من جهة والالتزام الكامل بالأنظمة الصينية وبالمسؤولية التراثية العالمية من جهة أخرى. لذا نهيب بالمستثمرين ذوي الرؤية والضمير الحي أن يبادروا، فيجدوا عندنا محاوراً مضيفاً وشريكاً، أميناً، ناصحاً، ذا دربة عالية في تحويل الطموحات الثقافية الكبرى إلى خطط تنفيذية قابلة للقياس والمراجعة تقودها أرقام وإنصاف ووضوح تام.
الاستثمار الأجنبي، الصين، حماية التراث
احصل على أحدث المقالات والأخبار والتحديثات حول الأعمال في الصين مباشرة إلى بريدك الإلكتروني. كن أول من يعرف عن التغيرات القانونية، الفرص الاستثمارية، والنصائح العملية.
نحن نحترم خصوصيتك. يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.