أهلاً بكم أيها المستثمرون والمهتمون بالشأن الاقتصادي، أتحدث إليكم اليوم من قلب تجربة عملية طويلة، حيث قضيت اثني عشر عاماً في شركة "جياشي" للضرائب والمحاسبة، وأربعة عشر عاماً إضافية في خدمة الشركات الأجنبية الراغبة بالاستثمار في السوق الصيني. خلال هذه السنوات، لمست بنفسي التحول الجذري في نظرة المستثمر الأجنبي إلى السوق الصيني؛ فلم يعد الأمر مقتصراً على البحث عن اليد العاملة الرخيصة أو موقع جغرافي مميز فقط. بل إننا اليوم أمام مرحلة جديدة كلياً، مرحلة أصبح فيها الاندماج في النظام التكنولوجي والإبداعي الصيني هو مفتاح النجاح الأول. لقد شاهدت بأم عيني كيف أن الشركات التي اقتنعت مبكراً بفكرة المشاركة في الخطط العلمية الوطنية هي التي صمدت أمام العواصف التجارية، بل واستطاعت أن تنمو بصورة مضطردة في أصعب الظروف.
عند الحديث عن "التصنيع الصيني"، لم يعد هذا المصطلح يعني تجميع الأجزاء أو إنتاج السلع الأساسية؛ فقد أصبح مؤشراً على صناعة ذكية تعتمد على الروبوتات والذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة والبيولوجيا الحديثة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما هو دور شركات الاستثمار الأجنبي في هذا التحول؟ وكيف يمكن لهذه الشركات أن تقتبس أنظمتها وتقنياتها من داخل شبكة الابتكار الصينية؟ قد يظن البعض أن الانفتاح التكنولوجي في الصين محدود، لكنني أؤكد لكم من واقع عملي أن المجال واسع جداً لمن يفهم التفاصيل، وخاصة في برامج مثل "صنع في الصين 2025" الذي فتح الباب أمام الشراكات التكنولوجية الدولية بطريقة ذكية ومنظمة. هذه الخطط لا تهدف فقط لتطوير الصناعة المحلية، بل تسعى بشكل حثيث إلى استقدام أفضل الممارسات والخبرات العالمية، بشرط أن تكون المشاركة حقيقية وإنتاجية، وليس مجرد علاقات تجارية سطحية. لذلك، دعونا نتعمق في هذا المشهد المعقد فكرة تلو الأخرى، بعقلية من عاصر المستثمرين الذين نجحوا والذين تعثروا، لأن فهم هذه الديناميكية الجديدة ربح أكيد في عالم الاستثمار الحديث.
تفاصيل لوجستية وتشغيلية
التفاصيل التشغيلية هي أول ما يلوح في الأفق عندما نتحدث عن المشاركة في الخطط العلمية الوطنية. يجب أن يدرك المستثمر الأجنبي أن الأمر لا يتعلق فقط بتوقيع اتفاقية تقاسم أبحاث؛ فهناك البنية التحتية للابتكار التي يجب فهمها بعمق. أنا أتذكر عندما جاءنا أحد العملاء من أوروبا، وكان مقتنعاً بأنه سيضع علامته التجارية على تكنولوجيا مطورة في الخارج، وسيبيعها في الصين؛ لكنه صُدم عندما اكتشف أن البرامج الحكومية تشترط أن يتم التطوير جزئياً على الأقل في الأراضي الصينية عبر معامل محلية أو مراكز بحث مشتركة. هذا الميدان يشبه الغابة، لا يرحم ولا يقبل إلا من يفهم خريطته. إن إنشاء "مراكز تطوير مشتركة" مع الجامعات الصينية أو معاهد البحوث الحكومية هو السبيل الأضمن للمشاركة، وهذه المراكز لا تمثل عبئاً مالياً فقط؛ بل هي استثمار ذكي في شبكة من العلاقات الأكاديمية التي تنعكس مباشرة على الأداء.
لاحقاً، وبعد سنوات من التعامل مع هذا الملف، أنصح المستثمرين دائماً بالبدء بفريق محلي متخصص في كتابة ملفات المشاريع المقدمة للخطة، لأن لغة الخطط الحكومية الصينية لها قواعدها الخاصة. نحن في "جياشي" نعمل دائماً على تجهيز عملائنا لهذا الجانب، أي نحن لا نجلس في انتظار النتائج، بل نزور المكاتب المحلية لإدارة العلوم والتكنولوجيا، ونحضر الجلسات التعريفية المتعلقة بالخطط السنوية. أحكي لكم عن تجربة أحد عملائنا اليابانيين؛ لقد استغرق الأمر منه ثلاثة مواسم كاملة من المحاولات حتى بدأ يفهم عمق آلية التمويل المشترك، حيث تتحمل الدولة جزءاً من التكلفة مقابل الحصول على حقوق ملكية جزئية للابتكارات. البعض يصاب بالإحباط في هذه المرحلة، لكن من يمض قدماً يكتشف ما يسمى بمصطلح "ضريبة الابتكار الخضراء"، وهو نظام حوافز ضريبية أصدرته الحكومة لدعم الشركات التي تخصص جزءاً من أرباحها للبحث والتطوير الداخلي. الأمر باختصار يشبه "الإتيكيت" الجديد في السياسة الصناعية؛ فمن لا يفهمه يبقى في الخارج، ومن يتقنه يصبح جزءاً من الحل.
وهنا، أود أن أزيل بعضاً من الغموض الذي يكتنف العلاقة بين الشركة الأجنبية والجهات الرقابية المحلية، فالكثيرون يسألونني عن مدى صعوبة هذه العلاقة. الجواب الصريح: إنها عملية توازن، كل شهر لديك ما يسمى "اجتماعات التغذية الراجعة" التي تطلب منك فيها الجهات الحكومية توضيح تقدم العمل، وما هي المعيقات التي تواجه سير البحث. هذه الاجتماعات ليست مجرد روتين بيروقراطي، بل هي فرصة حقيقية لبناء الثقة؛ لذلك أنا أدرب فريقي دائماً على "الحضور الجاهز" عبر إعداد تقارير مرئية مبسطة تشرح الانجازات التقنية بلغة يفهمها رجل الإدارة وليس العالم فقط. الوضع قد يعتبره البعض معقداً، لكن أؤكد لكم أن البديل عن المشاركة هو تنافس شرس ستجدون فيه الكبار الصينيون وقد أمسكوا بزمام التطور التكنولوجي، بينما تبقون في السوق القديمة المحدودة، وهذا هو الخطر الأكبر على المدى الطويل.
التمويل المختلط وإدارة التكلفة
جذب التمويل المختلط في المشاريع البحثية هي قصة نجاح كبيرة إن شاء الله، لأن الحكومة الصينية ستقدم لك تمويلاً جزئياً لا يُستهان به مقابل حصة في الملكية المعرفية. أنا أنظر إلى هذا الأمر من عدة زوايا، فعلى الصعيد المالي، يخفف هذا التمويل الأعباء الابتكارية الأولية، وهي الضغوط التي تخنق غالباً الميزانيات المبدئية لأي بحث وتطوير. لكن النكتة تكمن في مصطلحات العقود؛ فهذه الاتفاقات تشمل بنوداً معقدة للغاية تتعلق بحقوق النشر والإتاحة الحصرية، وهنا لا بد أن يستعين المستثمر الغربي بمحامٍ متخصص في القانون الصيني للابتكار لأن قواعد هذا القانون مختلفة عن القانون الغربي، والبعض قال أنها أشبه بالفسيفساء الإدارية أكثر من كونها نصوصاً ثابتة.
قد تتساءلون: لماذا إذن واحدة من أكبر العوائق التي واجهتها شركات أجنبية في هذا المجال هي مسألة حماية الأسرار التجارية؟ لديّ أنا شخصياً قصة عميل كوري كان يملك براءة اختراع في مجال فلاتر الكربون المتقدمة، وقرر المشاركة في إحدى الخطط الوطنية، لكنه وضع شرط "حجب التفاصيل النووية" عن شركائه الصينيين. وكما توقعنا، كانت أول مفاجأة له هي رفض الشركاء الصينيين المشاركة في أي مشروع لا يُقرأ فيه جميع البيانات بحرية، مما أدى إلى موت المشروع في مهده. في العمل الإداري والمالي نحن نتعامل مع هذا النوع من الانسداد بشكل يومي، والحل الذي نتبع هو بناء "اتفاقيات تفاهم مرحلية" يتم بها تقسيم العمل البحثي حسب المعرفة، ويصرح لكل طرف بجزء محدد من البيانات فقط. أعرف أن هذه العملية بطيئة وتكلفة البيروقراطية فيها ثقيلة، لكنها الحل الوحيد الذي يضمن استمرارية التعاون مع الجهات الصينية دون كشف النواة المعرفية للشركة.
ومع مرور السنين في هذه المهنة، أدركت أننا نتعامل مع متغير مهم، وهو أن التمويل الحكومي الصيني يأتي أحياناً بتأخير زمني يزعج المستثمرين الصغار الذين يعتمدون على نقودهم الخاصة أولاً في البحث. في هذه الحالات، كنت أرى تجارب شركات أجنبية مختلفة في إدارة هذا الخلل بين المصروفات اليومية وبين الدفعة الحكومية القادمة بعد مرور سنة كاملة، وصحيح أن هذا التوقيت جيد للشركات الكبيرة، لكنه يمثل عبئاً على الشركات الأجنبية المتوسطة التي ليست مالكة لاحتياطيات كبيرة. لذلك، نحن ننصح عملاءنا دائماً ببناء "سيولة تشغيلية طارئة" للمشاريع البحثية، والتي نسميها في عملنا اليومي بيننا "الطعام الاحتياطي"، لأن هذه المدة الفاصلة بين النفقات وتحصيل الدعم تحدث فيها عشرات المفاجآت، خصوصاً في تكاليف المواد الخام الاستيرادية في الأسواق ذات التقلبات العالمية. استعدوا جيداً من ناحية التخطيط المالي، لأن "جيش الابتكار يحتاج لمؤونة خلاقة"، وهذه المؤونة لا تشمل المال فقط، بل الإلمام الجيد بكل اللوائح الجمركية والضريبية المتعلقة بمستلزمات المعامل التقنية.
الاستفادة من مهارات العمل التطبيقي
المنافسة الحقيقية في التصنيع الصيني لديها سمة فريدة، وهي أنها تحكم على النتائج من خلال التطبيق الفعلي على آلة الإنتاج، وليس من خلال جمال الورقة العلمية. لذلك، يجب على الشركة الأجنبية أن تعمل على تحويل قدراتها العلمية البحثية إلى "منتجات قابلة للقياس" خلال فترة قصيرة. هذا المبدأ تضعه الخطط الوطنية نصب أعينها منذ اليوم الأول، ويتم قياس تقدمك كل ربع سنة من خلال مؤشرات الإنتاجية والجودة والسرعة التقنية الجديدة. في غضون ذلك، رأيت شركات أجنبية ناجحة قامت باستقدام عددا من الكفاءات الصينية من مراكز البحث الكبرى، حيث يعتبر "المدير البحثي الرئيسي" الصيني شريكاً كاملاً في المشروع، وليس مجرد موظف راتب. هذه المشاركة في الإدارة تفتح آفاقاً للوصول إلى المعرفة الضمنية المخزنة في عقول المهندسين الصينيين الذين عايشوا قسوة المنافسة، وهذه المعرفة لا تقدر بثمن وتُعطيك تأشيرة عبور سريع في السوق الصيني.
بخصوص سوق المنتجات الصناعية، أتذكر أن أحد عملائنا من إحدى دول الخليج قام باستثمار مبدئي في تطوير روبوتات الخدمة الموجهة للقطاع الطبي؛ لكن إدارته كانت غير محترفة في تقدير سرعة إعادة صياغة التصميم بما يناسب المصانع الصينية المزودة بأجهزة ذكية. لقد درسنا معه تفاصيل الخطط الوطنية بجانب الإرشادات المحلية للمدن الصناعية، وجلسنا أكثر من مرة مع مديري المصانع ليروا نموذجاً أولياً لطريقة عمل الروبوت في الواقع الحي. النتيجة هي أن الشركة اقتبست نصيحة قيمة، وهي ضرورة الاحتفاظ بمرونة في التصنيع عبر تصميم "الرأس المتغير" الذي يتصل بنظام التحميل الموحد؛ هذا التغيير البسيط في الهندسة يتوافق مع معايير المصانع الصينية الشائعة ويوفر ميزة تنافسية كبيرة. هذا يا سادة هو الفرق بين صانع مهندس وصانع مربي مواضيع؛ الأول يستمع للسوق، والثاني يتجاهل الأدلة الطبية حتى ينكسر زجاجه.
ومن الأدلة الهامة التي نستشهد بها هنا دراسة أجرتها جامعة تسينغهوا حول ارتفاع نسبة الشركات الأجنبية في صناعة معدات الاتصالات التي أدمجت أقسام البحث والتطوير مع خطوط إنتاج لم تكن خاصة بها قبل ثلاث سنوات فقط؛ هذه الدراسة تؤكد أن أفضل الممارسات هي وضع فريق التطوير تحت سقف المصنع العامل، قريبين من آلات التشغيل. أتذكر قول بعضهم: "إن صيحات عمال المصنع وملاحظاتهم حول مشاكل الصيانة قد تهم الباحث أكثر من عشرين ورقة بحثية دولية". هذا الأمر زاد وعيي في المشاريع التي أشرف عليها، إذ نرتب الآن جداول زمنية بزيارات أسبوعية لفرق الابتكار للمصنع، وندمج في مؤشراتهم السنوية معياراً إلزامياً لقياس استجابة التصميم لاحتياجات العمل، وليس فقط لتحقيق مواصفات الأداء الورقي.
التعاون مع الجامعات والمراكز التقنية
خلال الفترة الأخيرة، أصبح التعاون البحثي مع الجامعات الصينية هو المسار السائد الذي يستقطب قطاعًا واسعاً من الشركات الأجنبية ذات التطلعات التكنولوجية؛ فأنت تتعامل مع مؤسسة تعليمية تملك مواهب وعقولا، وتستطيع أن تجري تجارب باهظة التكلفة داخل معاملها المجهزة تجهيزاً عالياً. في هذا السياق، توجد في المدن الصينية الرئيسية شعبة تُدعى "إدارة الشراكات الصناعية الأجنبية"، وهي الجهة التي تيسر عملية الربط بين الشركة الوافدة والأساتذة الباحثين الراغبين في تطبيق أبحاثهم على أرض الواقع. لاحظت أن الأستاذ الصيني في الغالب يكون متحمساً جداً لأي فكرة تؤدي إلى رفع مكانة بحثه عالمياً، لذلك هو يبذل جهداً كبيراً في توجيه الطلاب المتفوقين نحو مشروع مشترك، وهنا تكمن الفرصة للمستثمر الأجنبي لتدريب كوادر بشرية وفنية تطابق متطلبات "صنع في الصين" قبل تخرجهم من الجامعات وتوظيفهم بشكل محدود في شركته.
من زاوية عملية، يجب على الشركة الأجنبية أن تخطط لميزانية مخصصة لعملية نقل التكنولوجيا المكتسبة من الجامعة إلى ساحة المصنع، إذ ليس كل بحث نظري قابل للتطبيق الصناعي فوراً، بل يحتاج خطوة وسيطة لبناء "نموذج تحقق" في أحد مجمعات الابتكار الصناعية. أذكر هنا أن هناك مدن صينية متخصصة في احتضان المشاريع الدقيقة مثل مدينة "خفي" في مقاطعة آنهوي أو مدينة "ووهان" بمقاطعة هوباي، والتي تقدم إعفاءات ضريبية إضافية تصل إلى ثلاث سنوات للمشاريع الناشئة المولودة من هذا التعاون المشترك. ننصح عملاءنا أيضاً بالتسجيل في منصات "التكنولوجيا الداخلية" التي تطلب من الشركات بنك من الأفكار التطبيقية الجاهزة، ومن ثم السياسة الوطنية تختار منها ما يستحق دعماً مالياً إضافيا يسمى "صندوق الثقة في اختراقات". من واقع خبرتي، هذه الآلية من أكثر الأدوات مرونة، وتأتي بنتائج مذهلة لأنها تخفض المخاطرة المالية الأولية بنسبة كبيرة تتجاوز 50%؛ لكن الشرط الواضح هو وجود شريك صيني متمرس في إدارة الجامعات ويتمكن من الوصول للمختبرات.
أود أن أنوه هنا إلى أن الصبر والقدرة على اللعب مع الأوقات الجامعية هما ميزة ضرورية، فالعام الدراسي الجامعي الصيني له إيقاع خاص؛ وقائع الإجازات الطويلة مثل العطلة الصيفية والشتوية تكون فيها المختبرات شبه فارغة، لكن الأبحاث التي تستمر طوال العام تحصل على نسب نجاح أعلى لأنها ترتبط بالدوام الكامل. كثير من المستثمرين الغربيين يحدثون فتوراً في التواصل بعدم تنظيم رحلات للأستاذ الباحث للصين، لكن أستاذاً جامعياً حصل على زيارات تبادلية لمصنع أجنبي في أوروبا أو الخليج سوف يعطي المشروع أولوية أكبر بكثير من غيره. هذه العلاقات القائمة على الاحترام الثقافي والمالي تضاعف من جودة النتائج، وقد رأيت بنفسي كيف تطورت شراكات متعددة الأطراف في أبحاث "الألياف الذكية" و"التصنيع الإضافي"، وهي الآن نادرة عالمية في العلاقات الصينية الألمانية، وتعود بالمال والمعرفة على الطرفين بشكل مستمر.
قضايا التقييس والمصادقة الدولية
في قلب المشهد التكنولوجي الدولي، تعاني الشركات الأجنبية من الفوضى في تطبيق المعايير القياسية المطلوبة للتصنيع داخل الصين؛ فقد تتعرف على دليل للمواصفات القياسية الوطنية الصينية "GB/T" وتجد أن هناك اختلافات جوهرية بين ما تقتضيه هذه المواصفات وما يتوجب عليه التصدير في أسواق أخرى. هنا نقدم لكم النصيحة الأولية في هذا الباب: عيّنوا في فرق المشاركة بالخطة الوطنية مهندس جودة متمرساً كان يعمل سابقاً في شركة تصنيع صينية، لأن هذا الشخص يملك هيبة التنظيم السابق، ويستطيع اقتراح حلول وسط بين المعايير الصينية والأمريكية الأوروبية. من واقع عملي، كل التعقيدات التي رافقت الشركات الأجنبية التي تعتمد على تصاميم عالمية صرفة، تركزت جلها حول كيفية عرضها للأداء النوعي تحت درجة حرارة ورطوبة الجو الصيني المتفاوتين؛ لذلك تعديل هذه التفاصيل ضمن إعدادات التصميم هو عملية تدقيق معقدة لكنها ليست مستحيلة، نظراً لأن الخطط الوطنية توفر تمويلاً إضافياً خاصاً لدعم مشاريع "التأقلم التقني".
النقطة الثمينة هنا هي أن المواصفة القياسية الهادفة من المشاركة لا تقتصر على داخل الصين فقط، بل يتم الترويج لها في الأسواق الناشئة، لكن هذا مسار شائك لأنهم يعمدون لتعديل القيود على المنتج الأجنبي إذا رأوا أنه ينافس صناعتهم الوطنية. تستطيع أن تفرض منتجك عبر التنافس في الجودة وتحسين وقت التسليم، وليس عبر التفوق في تخفيض السعر، لأن الحكومة الصينية تضع في الأولوية القصوى شرط "الجودة المتطورة والمواءمة الصينية" في المنتجات المصنعة محلياً. أنا أنصح أصحاب المصانع الأجنبية بتحديث ملف المعايير لديهم بشكل سنوي، وإنشاء مرصد داخلي لرصد المتغيرات السريعة في المعايير الصناعية الصينية الجديدة؛ ففي مجال المواد المركبة المستخدمة في السيارات الكهربائية، حدث تغيير جذري في متطلبات مقاومة الحريق خلال عامين فقط؛ فأي شركة من الأجانب تغفل هذا البند تصطدم لاحقاً بتكاليف إعادة تصنيع الدفعة كاملة، وهي خسارة باهظة تُقعد الشركة لسنوات.
ولكي نظل من بين اللاعبين النشطين، يجب على الشركة الأجنبية أن تشارك بنشاط في اجتماعات مؤسسة المعايير الصينية (SAC) عندما تضع مسودة أولية لمعايير مستقبلية، لأن الاحتكاك المبكر في هذه الجلسات يمنحكم فرصة ثانية لتغيير المتطلبات بما يتوافق مع قدراتكم مما يقلل صدمة التكيف. في "جياشي"، دأبنا على تنظيم ورش عمل قصيرة لعملائنا، نقدم من خلالها ملخصاً عن اللجان الفنية المصغرة التي يمكن الانضمام إليها؛ فالاشتراك في هذه اللجان الذي يتراوح بين 10 آلاف إلى 100 ألف يوان سنوياً، يستطيع أن يوفر لكم سنوات من البحث في التعقيدات. فالاستثمار في معايير اليوم هو استثمار في إعادة تعريف منافسيك؛ وهذا درس تعلمته حين قامت إحدى الشركات الأجنبية بتغيير مواصفات الكبح للآلات الصناعية المتوسطة لتلتزم بالمعيار الصيني الأكثر صرامة، وبالتالي تصدرت ترتيب العقود الحكومية في السنة التالية؛ شركة تصدر المركبات الزراعية من شمال الصين أصبحت اليوم من كبار الموردين في جنوب آسيا.
الابتكار المفتوح في بيئة تنافسية
مصطلح "الابتكار المفتوح" فقد أصبح في الصين عبارة حية تتردد في المحافل الاقتصادية، ويعني أن الشركة الأجنبية تفتح مختبراتها للطلاب الصينيين والباحثين المستقلين للعمل في مشاكل فنية محددة على أن تقوم الشركة بامتلاك أي حل جديد بشكل مقنن. من النظرة الأولى هذا الفكرة تبدو مثيرة ومربحة، لكن الواقع أن تطبيق الابتكار المفتوح في الصين قد يشكل بعض المخاطر على الخصوصية؛ فالوصول الواسع للمواهب الخارجية يمكن أن يقود إلى تسرب الأفكار الأساسية لمنافس صيني محلي نشط. ومع ذلك، ما وجهتنا، إذ يجب على الشركة الأجنبية الطموحة أن تقسم البحوث إلى "عناصر مفتوحة" وهي الثانوية القابلة للتحسين للعامة، و"عناصر مغلقة" هي الأساسية الخاصة بالشركة، وذلك بجودة ضوابط عالية للوصول إلى الملفات السرية.
بدوري أرى نجاحات ملموسة في الشركات التي أنشأت نوعاً من "حمامات الأفكار التطبيقية" التي جمعت فيها بين مهندسيها العاملين وباحثين جدد من مجالات تكنولوجيا متعددة من جامعة تشجيانغ وبكين للتكنولوجيا؛ هذا التقاطع بين التخصصات ينتج حلالاً مبتكراً للغاية في مشاكل ضبط الجودة وخفض الوزن في منتجات النقل. أتذكر أن أحد عملائنا الأمريكان في صناعة الأقمار الصناعية الصغيرة كان يعاني من مشاكل تقنية في توليد الطاقة الشمسية في الألواح القابلة للطي داخل الغلاف الجوي الأرضي؛ فأقام فريقاً مفتوحاً مع خبراء صينيين من غير اختصاص الطاقة نفسهم، وأتوا بحل مبتكر مقتبس من تقنية ثني الأجنحة عند الطيور التي يدرسها علماء الطيور؛ هذا النموذج المفتوح غيَّر صناعة كاملة بتكلفة زهيدة لا تتجاوز 2% من ميزانية البحث الأولية.
بالمقابل، يحب المستثمر الأجنبي الاستعداد للتعامل مع نوعية مختلفة من الإيقاع الداخلي؛ فالإدارة الصينية لديها ثقافة المسؤولية الجماعية في النجاح والفشل، وهي يمكن أن تتعارض مع ثقافة الفرد الغربية التي تريد مكافآت محددة للأفراد المبتكرين. عندما قمنا بإدارة ملف أحد مشاريع السيارات الكهربائية بين شركة سويدية ومجموعة صينية، واجهنا توتراً متصاعداً حول علنية النتائج المسجلة بأسماء المهندسين؛ الشركة السويدية كانت ترغب في الاحتفاظ بالكشوف الفردية للمتخصصين الصينيين، والفريق الصيني رفض ذلك بشدة معتبراً إياه تهديداً للتضامن الوطني للمؤسسة. هذا النوع من التحدي الإداري يتطلب مهارات وساطة عالية، وعدم فرض أنظمة إدارة أجنبية حرفية على البيئة الصينية؛ يمكّننا في هذا الموقف إيجاد حل وسط بعقد لقاءات شهرية لتكريم الفريق بأكمله بعيداً عن سياسة الفرد الواحد، كما فعلنا في النهاية، وبذلك استمر المشروع وانتهى بنجاح تقني مذهل على مستوى التسارع. الابتكار المفتوح ليس مجرد باب مفتوح؛ بل هو شبكة علاقات دقيقة تحتاج فهماً عميقاً للبيئة المضيفة.
نقل التكنولوجيا الحيوية وسط أطر رقابية
المجال الحيوي مجال حساس ويستدعي الحذر، حيث تعتبر الصين من أشد الدول مراقبة في نقل التكنولوجيا الحيوية، وخاصة ما يتعلق بالمعلومات الجينية البشرية والعينات البيولوجية، حيث وُجدت أطر رقابية ترتكز على المصلحة الوطنية والأمن الحيوي. في بعض المشاريع التي عملت عليها مع شركات أجنبية في مجال أدوية علاج الخلايا، كان علينا تفاصيل متاهة اللوائح قبل البدء، وحصول شركتنا الأجنبية على الترخيص لم يكن سهلاً قط؛ فالمشاركة الصينية تشترط وجود "معهد أبحاث مسؤول" محلي يعمل بشفافية كاملة، ويوافق بحكم القانون على كل خطوة من خطوات العزل الجيني. هذا الطلب ليس معقداً لأنه يضمن احترام الملكية الوطنية للموارد الحيوية، ويمنع سرقة مثل هذه المعلومات الحيوية لصالح تنافس خارجي غير عادل؛ لذا ننصح المستثمرين بالتعاون مع المراكز البحثية الصينية من الأيام الأولى، بدلاً من محاولة استقدام تكنولوجيا حية جاهزة من الخارج؛ فهذا الأخير مسار شبه محظور، وقد ينتهي برفض طلبك بشكل كلي.
في إحدى الحالات، كانت شركتنا الاستشارية تساعد شركة من سنغافورة ترغب في إطلاق جهاز طبي متطور للتشخيص المناعي يعتمد على جسيمات نانوية، وقد قُوبلوا في بادئ الأمر بحماس حكومي، لكن التعثر بدأ في الجولة الثالثة من التفاوض عندما تبين أن هناك قيداً يتعلق بتصدير هذه الجسيمات إلى الخارج لمراحل التصنيع التجريبي. لقد ساعدنا الشركة في تعديل استراتيجيتها، ببناء وحدة إنتاج تجريبي مختصرة داخل إحدى المدن الصينية المجهزة، والتخلي تماماً عن أي فكرة مناورة في تصدير الأصول المادية المرتبطة بالبيانات الإكلينيكية. من المذهل أنه بمجرد تبنّي استراتيجية "النقل في مكانه"، تغير موقف المفاوضين الصينيين من البرود إلى تعاون ودي كامل؛ والأهم من الناحية العلمية أننا تمكنا من استخدام بيانات تجارب محلية مؤكدة، مما رفع موثوقية المنتج في الأسواق الأجنبية لاحقاً. هذا هو الدرس الذي أستخلصه من المشاركة: كن واضحاً بشأن خطوط الأساس، وصدقنا ننصح الجميع بكسب ود النظام الصحي الرقابي قبل التفكير في أي سرعة إنتاجية؛ كلمة السر هي "النوايا الصادقة" في مثل هذه الملفات الحساسة.
مضافاً إلى كل ذلك، ما زلت أذكر قول مدير مركز أبحاث صيني في حوار خاص: "التكنولوجيا الحيوية مثل الماء الجاري؛ لا يمكنك حجزه في قارورة الغرب وإحضاره إلى الشرق لأن تركيبه يتغير مع كل تغيير في التربة والمناخ"؛ هذا التعبير صادفني بصدقه يومياً؛ إذ رأيت كيف أن كل تجربة سريرية تتم في شنغهاي لها أثر واضح على نجاح المنتج في مصر أو الخليج، بسبب تقارب التركيبة السكانية والاستقلابية للجسم الآسيوي والأفريقي. إذاً النقطة الهامة هنا هي أن مشاركة الأجانب في برامج التطوير الحيوية ليست إضافة ثانوية، بل هي فرصة وجودية للكثيرين منا خصوصاً مع التوسع الحاد في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ فمن يريد الاستمرار مقدماً، فلا يستطيع تجاهل هذه العقلية المتغيرة في عالم الصحة العامة، ويجب عليه أن يوائم تعديل اتجاهات بحثه مع ما تسميه الصين "المسار الصحي الواحد" وهو مفهوم يجمع بين صحة الإنسان والبيئة والحيوانات معاً.
الملكية والضغوط المعيارية الجوهرية
الملكية الفكرية تُعتبر شأناً بدهياً ومحسوماً في هذه العملية، فهي في نفس الوقت أسهل نقطة في التعاون وأصعبها؛ الإطار التشريعي الصيني اليوم أصبح صديقاً للملكية الفكرية المحمية للأجانب في حالة واحدة فقط: أن تكون موثقة ومسجلة لدى الهيئات المحلية، ومثبتة في مسار العمل اليومي. ومن الخطأ الكبير أن تظن أنك تستطيع التقدم ببراءة اختراع من مكتب بلدك الأصلي، واكتفيت بذلك؛ فأول سؤال سيسألونه في اللجان: "هل قمتم بتسجيل البراءة الكاملة في المكتب الصيني الصادر للاختراعات (CNIPA)؟". من ناحية أخرى، لدينا شروط دائماً على العناية الكاملة بالتاريخ، لأن ابتكارات مختبراتهم في الماضي لن تُعترف بها، هناك في الخطط الوطنية تعريفات دقيقة قد حاز على الجديد مثل "استنتاج تعديل إبداعي بأولوية" و"عناصر ثلاثية الأثر"، ولذلك يجب فحص كل تفاصيل حقوق الملكية قبل التوقيع النهائي. نصيحتي للشركات الأجنبية هي إنشاء قسم "إدارة الأصول المعرفية" من موظفين مختلطين، صينيين وأجانب، مهمته إجراء فرز كامل لكل الابتكارات التي ينتجها المشروع، ونتاج عمليات التسجيل المبكر.
ولن أدّعي البتة أن الأمور الصحية في هذا الملف، فعدا الشركاء الصينيين لديهم قوة تفاوض كبيرة فيما يتعلق بتقاسم الملكية، وغالباً ما يدفعون باتجاه الحصول على حصة حصرية للتطبيقات في السوق المحلي، بينما تستحوذ الأجنبية على أسواق أخرى. في تقديري، هذا توزيع منطقي إذا جلسنا معاً ووزعنا الأدوار حسب البنية الصناعية؛ لكنني أذكر معركة حقيقية شهدتها بين شركة فرنسية وشركة حكومية صينية حول براءة اختراع في عمليات تكرير خام الليثيوم، وقد استمر هذا الخلاف قرابة ثمانية أشهر قبل أن نجد حلاً خلاقاً بتقسيم الملكية حسب خطوات العملية الكيميائية، فكان حق التطبيق على المرحلة التمهيدية للفرنسيين وعلى المرحلة النهائية للصينيين. أقول دائماً إن مهارات "هندسة التقاسم" هذه لا تُعلَّم في كليات الأعمال، بل تنمو مع سنين الممارسة والمرونة في حل النزاع، وهنا أعتز بتجربتنا في "جياشي" التي استطاعت أن تحقق مكاسب متوسطة لكنها مستدامة لكلا الطرفين؛ وهو الأهم بعيداً عن عقلية الانتصار الكامل الصفرية، حيث لا نرى فائزاً في نهاية المعركة الطويلة.
أنصح المتابعين للخطة الوطنية بأنما يتوقعون بأن الحكومة في بعض المجالات الفنية شديدة التقدم مثل التصنيع الذكي الكمي تستحوذ على حقوق الطبع تلقائياً مقابل تمويلها الكلي للنشاط البحثي، ومن الطبيعي أنها تفعل ذلك دفاعاً عن مصالحها الصناعية السيادية المحورية، ولذلك إذا كانت خطتكم التجارية تقوم أساساً على البيع للصينيين في هذا القطاع الحساس، فأنتم مضطرون إلى قبول هذه الشروط للاستمرار. الرواية الأكثر واقعية هي أن هذه الشروط صعبة لكنها مبررة من وجهة النظر الأمنية الصينية، والتي ترى أن السيادة في الأمن السيبراني والفحص التكنولوجي هي سلاح نجاة في عصر حرب القرصنة. إذا أردت أن تكون شريكاً اليوم، يجب أن تكون على استعداد لشرح تأثيرات "البنية التحتية الحرجة" في منتجاتك، ودعم عملية التقييم الازدواجي التي قد تعتبر في رأي بعض المستثمرين عائقاً بيئياً، لكن في رأيي الخاص، إنها وسيلة لرفع سقف الجودة وحماية السوق من المنافس غير الكفؤ.
وجهات نظر مستقبلية
المستقبل القريب للاستثمار الأجنبي في الخطط الصينسة العلمية والتكنولوجية مرتبط بشكل وثيق بمدى تحولنا من منطق التصدير البحت إلى منطق "بناء القيمة داخل السوق". أرى من خلال الأمور التي تتجلى في زياراتي للعواصم الصناعية الجديدة، أن المستثمرين الذين سيعبرون بالصناعة إلى بر الأمان هم أولئك الذين يسعون لتعميق روابطهم مع الطلاب والمهندسين الصينيين، الذين سيكونون نواة قادة التقنية في العقود اللاحقة. لكن هذا الطموح يحتاج أيضاً إلى رؤية طويلة الجهة، لا تهتز مع كل تغيير في الأسواق المالية، بل تدرك أن التكنولوجيا المتقدمة هي مثل شجرة كبيرة تحتاج لتغذية مستمرة من موارد العلم في المنطقة التي تنمو فيها؛ فالشجرة التي تُروى من الأرض الصينية تصبح أكثر مقاومة للصقيع، وجذورها تمتد لتمسك بموارد أخرى في المنطقة برمتها. في رأيي أن هذا الوقت بالذات مناسب للشركات العربية التي تتطلع إلى تحديث مصانعها من تمويلات زيتية، لتوطين صناعة متقدمة بدل الاستيراد المتواصل، والمشاركة في الخطط تعني