مقدمة

أيها المستثمرون العرب، اسمحوا لي أن أحدثكم كمن قضى أكثر من عقدين في خدمتكم، بين جدران شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، أتابع عن كثب تحولات السوق الصيني. لطالما كانت الصين وجهة جاذبة للاستثمارات الأجنبية، لكن في السنوات الأخيرة، وتحديداً مع تسارع وتيرة التحول نحو الاقتصاد الأخضر، برز مفهوم جديد أطلق عليه "توليد الطاقة الجديدة للشركات ذات الاستثمار الأجنبي". هذا ليس مجرد مصطلح تقني، بل تحول جذري في كيفية نظر المستثمرين الأجانب إلى السوق الصيني وبيئة الأعمال فيه.

تخيل معي، قبل نحو عشر سنوات، عندما كنا نساعد إحدى الشركات الأوروبية في تأسيس فرع لها في شنغهاي، كان أول سؤال يطرق أذهاننا هو "كيف ننقل التكنولوجيا ونحمي حقوق الملكية الفكرية؟". أما اليوم، فالأسئلة اختلفت تماماً. الأسئلة تدور حول "كيف ندمج أنظمتنا للطاقة المتجددة مع شبكة الكهرباء الصينية؟" و "كيف نستفيد من الحوافز الضريبية الممنوحة لمشاريع الطاقة النظيفة؟". هذا هو جوهر "توليد الطاقة الجديدة" الذي سنغوص في تفاصيله.

تحول نموذجي

أذكر حالة واقعية من ملفاتنا: في عام 2021، تقدمت لنا شركة ألمانية متخصصة في أنظمة تخزين الطاقة. في السابق، كان همهم الأكبر هو تصدير منتجاتهم إلى الصين. لكن اليوم، وبدلاً من ذلك، أرادوا بناء مصنع كامل داخل الصين. لقد أدركوا أن السوق الصيني لم يعد مجرد سوق استهلاكية، بل أصبح ساحة لاختبار أحدث تقنيات الطاقة المتجددة. هذا التحول في النموذج الفكري، من "التصنيع للصين" إلى "التصنيع مع الصين"، هو الذي يولد طاقة جديدة للشركات الأجنبية.

الشاهد أن الصين لم تعد فقط قاعدة تصنيع رخيصة. لقد تحولت، على مدار السنوات، إلى مختبر عالمي للابتكار. وهذا التطور، في نظري، يتطلب من الشركات الأجنبية أن تعيد حساب استراتيجياتها. فمن يظن أن بإمكانه مجرد فتح مكتب استيراد وتصدير فقط، فهو يخسر فرصة ذهبية. يجب على المستثمر اليوم أن يأتي بعقلية الشراكة التكنولوجية، وليس مجرد التبادل التجاري.

دعني أضرب لك مثلاً آخر، من تجربة إحدى الشركات الأمريكية التي ساعدناها في تسجيل شركتها الاستثمارية في قوانغتشو. لم يكن هدفهم الأساسي الربح السريع، بل بناء منصة للبحث والتطوير في مجال الهيدروجين الأخضر. هذه النظرة طويلة المدى هي ما أسميه "الطاقة الجديدة" التي تضخها الشركات الأجنبية في السوق الصيني، وهي طاقة متبادلة، حيث تستفيد الشركة من البنية التحتية المتطورة والسياسات الداعمة، وتستفيد الصين من الخبرات والتقنيات المتقدمة.

سياسات محفزة

من ناحية السياسات، أرى تغيراً جوهرياً. لم تعد الحوافز الحكومية الصينية مقتصرة على التخفيضات الضريبية العامة. لقد أصبحت أكثر ذكاءً وتخصصاً. على سبيل المثال، تقدم بعض المناطق، مثل مقاطعة جيانغسو، حوافز إضافية للشركات الأجنبية التي تستثمر في ما يسمى بـ "المجمعات الصناعية الخضراء". إذا التزمت الشركة بمعايير محددة للانبعاثات الصفرية واستخدام الطاقة المتجددة، فإنها تحصل على إعفاءات ضريبية كبيرة على دخلها، تصل أحياناً إلى 50% خلال السنوات الخمس الأولى.

هذه السياسات، بحسب رأي الأستاذ وانغ، وهو خبير اقتصادي صديق لي في جامعة بكين، تهدف إلى جذب النوعية وليس الكمية. أي أن الصين تريد مستثمرين أجانب ذوي تقنية عالية في مجال الطاقة الجديدة، وليس مجرد مصانع تقليدية. هذا التوجه يتماشى مع استراتيجية الصين لتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2060. للوهلة الأولى، قد تبدو هذه الشروط صارمة، لكنها في الحقيقة تخلق أرضية خصبة للابتكار والنمو المستدام.

ونتذكر هنا حالة إحدى الشركات الكورية للطاقة الشمسية، التي جاءت إلينا محتارة بسبب تعقيدات بعض الشروط المتعلقة بنسبة المحتوى المحلي. الحل الأنيق الذي وجدناه كان هيكلة استثمارها ككيان مختلط، يجمع بين الاستثمار الأجنبي المباشر وتحالف مع شركة صينية محلية للطاقة. هذا التكتيك لم يفتح لها باب الحوافز فحسب، بل سهل عليها الاندماج في السوق. وكما نقول في مجال "هيكلة الشركات"، الأمر أشبه برقصة تكتيكية تتطلب فهماً عميقاً للمشهد المحلي.

عوائق ولوج السوق

بالطبع، هذا المشهد المشرق لا يخلو من التحديات. أتذكر جيداً عندما كنا نساعد إحدى الشركات الهندية في قطاع طاقة الرياح. أول عقبة واجهتها كانت الحصول على التصديقات اللازمة لتوصيل توربيناتها بالشبكة القومية. الإجراءات كثيرة: من تقييم الأثر البيئي، إلى موافقات التخطيط العمراني، وصولاً إلى التراخيص التشغيلية المتعلقة بسلامة الشبكة. التحدي الإداري هنا هو التعامل مع هذه البيروقراطية التي قد تكون معقدة أحياناً.

في هذه المرحلة، يأتي دور مكتب محاماة ومحاسبين لديه خبرة طويلة. ليس المطلوب فقط إعداد الأوراق، بل فهم ثقافة العمل الإداري الصيني. على سبيل المثال، الحوار المباشر مع المسؤولين المحليين، وفهم احتياجاتهم الخفية المتعلقة بالتوظيف المحلي ونقل التكنولوجيا، يمكن أن يفتح أبواباً مغلقة. أذكر أنني نصحت تلك الشركة الهندية بتعيين مدير علاقات حكومية محلي من ذوي الخبرة، وكان هذا هو المفتاح لاختراق العقبة.

أما التحدي الآخر، والأكثر حساسية، فهو المتعلق بحماية البيانات. مع ازدياد الاعتماد على إنترنت الأشياء (IoT) في أنظمة الطاقة الذكية، تبرز قوانين صارمة مثل قانون أمن البيانات الصيني. الشركات الأجنبية مضطرة أحياناً إلى إنشاء مراكز بيانات داخل الصين، مما يرفع التكلفة الأولية. هذا ليس بالأمر السهل، فهي تشبه رقصة بالسلاسل، يجب أن تكون مرناً دون أن تصل إلى مرحلة كسر القواعد.

نماذج تمويل مبتكرة

من الجوانب المثيرة أيضاً تطور آليات التمويل في هذا القطاع. لم تعد الشركات الأجنبية تعتمد فقط على ميزانياتها الأم أو القروض البنكية التقليدية. هناك الآن تنامي في استخدام سندات الطاقة الخضراء في السوق الصيني، والتي تقدم فوائد أقل للمشاريع المؤهلة. ويبدو لي أن البنوك الصينية، مثل بنك الصين وبنك التعمير، قد طورت منتجات متخصصة للاستثمار الأجنبي في البنية التحتية للطاقة الجديدة.

كما أن مفهوم "الشراكة بين القطاعين العام والخاص" (PPP) أصبح أكثر رسوخاً في قطاع الطاقة. مثلاً، شركة فرنسية ساعدناها حصلت على عقد لبناء محطة طاقة شمسية عائمة في إحدى المقاطعات، حيث كانت الحكومة المحلية شريكاً بنسبة 30% من رأس المال. هذا التوزيع للمخاطر كان مريحاً للمستثمرين الفرنسيين، خصوصاً مع وجود ضمانات حكومية لشراء الطاقة المنتجة. هذا النموذج يقلل المخاطر السياسية والتنظيمية التي عادة ما تخيف المستثمرين الأجانب.

توليد الطاقة الجديدة للشركات ذات الاستثمار الأجنبي في الصين

وطبعاً، لا ننسى دور رأس المال الجريء الصيني. هناك العديد من شركات رأس المال الجريء التي تبحث بنشاط عن شركات تكنولوجيا الطاقة الأجنبية الناشئة لتستثمر فيها وتجلبها إلى الصين. نحن في جياشي شهدنا حالات نجاح لشركات ناشئة إسرائيلية في مجال الرياح البحرية التي حصلت على تمويل من مستثمرين صينيين بفضل حضورهما في معارض الابتكار. المسألة تحتاج إلى جرعة من "شطارة" (دهاء) في تقديم العرض التكنولوجي بالطريقة التي تلامس أولويات الصين.

دمج التكنولوجيا المحلية

من وجهة نظري كخبير محاسبة، فإن التكامل بين التكنولوجيا الأجنبية والمحلية يمثل أحد أعقد جوانب "توليد الطاقة الجديدة". الشركات الأجنبية التي تنجح في السوق الصيني هي تلك التي لا تكتفي بنقل تقنيتها الجاهزة، بل تبذل جهداً حقيقياً في دمجها مع الأنظمة المحلية. على سبيل المثال، في قطاع السيارات الكهربائية، قامت شركة تسلا ببناء مصنع ضخم في شنغهاي، لكن النجاح لم يأت فقط من التكنولوجيا الأمريكية، بل من دمج سلسلة التوريد المحلية بالكامل تقريباً.

ومع ذلك، أعتقد أن هناك فارقاً دقيقاً يجب فهمه. "دمج التكنولوجيا" لا يعني التخلي عن حقوق الملكية الفكرية. بل يعني التعاون في تطوير تطبيقات جديدة مناسبة للسوق الصيني. أذكر أن إحدى الشركات السويدية أصرت في البداية على استخدام برامجها الأوروبية بالكامل، وهو ما تعارض مع متطلبات حماية البيانات السيبرانية الصينية. بعد شهور من المفاوضات، توصلنا إلى حل وسط: بناء واجهة برمجية تربط أنظمتهم بمنصات بيانات الدولة، مع إبقاء الخوارزميات الأساسية مغلقة.

هذه التفاوضات ليست مجرد إجراءات قانونية، بل هي اختبار حقيقي لمرونة الإدارة. فما تتعلمه الشركات الأجنبية من هذه التجربة هو أن النجاح في الصين لا يتعلق بفرض منتجك، بل بقدرتك على "التوطين" بأسلوب ذكي. وهذا بحد ذاته يولد طاقة إبداعية جديدة للشركة على المستوى العالمي. لقد رأيت كيف أن منتجات السويديين نفسها أصبحت أكثر قدرة على المنافسة في أسواق أخرى لا تتطلب هذا المستوى من التكيف، لأنهم أصبحوا أكثر مرونة وابتكاراً كفريق.

كفاءات العمالة

لا يمكن الحديث عن الطاقة الجديدة دون ذكر المورد البشري. أجد انطباعاً عاماً لدى بعض المستثمرين العرب بأن العمالة الصينية رخيصة فقط. هذا مفهوم خاطئ تماماً. ما ألاحظه هو أن الصين أصبحت تنتج أعداداً هائلة من المهندسين والفنيين المتخصصين في مجالات الطاقة المتجددة، مثل تخزين الطاقة والشبكات الذكية. هذه الكفاءات، مقارنة بنظيراتها في أوروبا أو أمريكا، غالباً ما تكون بنفس الكفاءة ولكن بتكلفة أقل بنسبة 30% إلى 40%.

عندما توفر شركة أجنبية تدريباً إضافياً على تقنياتها الخاصة، فإنها تستفيد من هذا الكم الهائل من الطاقات الشابة. إنه ليس مجرد توظيف، بل شراكة في بناء مستقبل الطاقة. تحدثت مؤخراً مع مدير شركة دنماركية لطاقة الرياح، الذي قال لي إن المهندسين الصينيين لديهم قدرة مذهلة على حل المشكلات التقنية المعقدة بسرعة، وهذا ما جعل معدل الأعطال في توربيناتهم المنتجة في الصين أقل منه في أي مصنع آخر حول العالم. هذه شهادة قوية تنعكس إيجاباً على الربحية.

ولكن يوجد تحدٍ إداري هنا: الاحتفاظ بالكفاءات. سوق العمل الصيني في هذه المجالات ساخن جداً، والمنافسة على المهندسين المهرة شرسة. الحل الذي نوصي به عملاءنا هو بناء ثقافة مؤسسية قوية ومخططات تحفيزية طويلة الأمد، مثل منح الأسهم للشركات القابضة. رأيت أكثر من شركة أجنبية خسرت فريقها بالكامل بعد سنتين فقط لأكبر شركة محلية مثل هواوي أو BYD، لأنها لم تهتم ببناء الروح الجماعية وتقدير الموظفين. هذا درس مهم، فبدون فريق قوي، تظل التكنولوجيا مجرد أوراق على المكتب.

التوجه نحو المستقبل

في الختام، أريد أن أقول إن مشهد "توليد الطاقة الجديدة للشركات ذات الاستثمار الأجنبي في الصين" ليس مجرد فرصة استثمارية عابرة، بل هو تحرك جيو-اقتصادي سياقي. أعتقد أن الشركات التي ستستثمر في السنوات الخمس القادمة في هذه المجالات ستكون رائدة في أسواقها. الصين لا تفتح أبوابها فقط، بل تمد يدها للتعاون في بناء بنية تحتية طاقوية عالمية جديدة.

أرى أن التوجه المستقبلي سيكون نحو تكامل أعمق مع المبادئ البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG). المستثمرون الأجانب لن يُحكموا فقط على قدراتهم المالية، بل على مدى التزامهم بهذه المعايير في استثماراتهم الصينية. أيضاً، ستتزايد أهمية الذكاء الاصطناعي في إدارة شبكات الطاقة، مما يفتح آفاقاً رائعة للشركات المتخصصة في هذا المجال.

لكن، لا بد من التحذير من أن البيروقراطية ما زالت قائمة، وأن التغيرات التنظيمية قد تكون سريعة أحياناً. النجاح يتطلب شراكة مع خبراء محليين يفهمون نبض السوق وطبيعة العمل الإداري. ولا تنسى، كما نقول في المكتب: "من لج إلى البيروقراطية الصينية بلا صبر، قد يجد نفسه في متاهة لا تنتهي". الاستثمار في الوقت والعلاقات قبل المال هو مفتاح النجاح.

أخيراً، أوصي المستثمرين العرب بزيارة المعارض الصناعية المتخصصة مثل معرض كانتون أو معرض الطاقة الشمسية في شنغهاي، فهي نافذة حقيقية لفهم ديناميكيات السوق. وتذكروا، أنتم لا تستثمرون فقط في سوق، بل في شراكة استراتيجية مع اقتصاد سيكون محورياً في العقود القادمة.

رؤية جياشي للضرائب والمحاسبة

في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، وبخبرتنا التي تمتد لأكثر من 26 عاماً في خدمة الاستثمار الأجنبي في الصين، نرى أن "توليد الطاقة الجديدة للشركات ذات الاستثمار الأجنبي" يمثل تحولاً استراتيجياً لا يمكن تجاهله. إنه ليس مجرد قطاع جديد، بل هو بيئة عمل متكاملة تتطلب فهماً عميقاً للقوانين الضريبية المتغيرة، والدعم المحاسبي المتخصص للمشاريع طويلة الأجل. نحن نؤمن بأن دورنا لا يقتصر على تقديم المشورة، بل في تمكين المستثمر من رؤية الصورة الكاملة وتجنب المخاطر. من خبرتنا في هيكلة مئات الشركات، علمنا أن أفضل استثمار هو ذاك المبني على أساس متين من الامتثال والشفافية. إن رؤيتنا هي أن نكون الجسر الموثوق الذي يربط المستثمرين العرب بفرص الطاقة الجديدة في الصين، محولين التحديات الإدارية إلى خطوات مدروسة نحو النجاح المستدام.

نحن في جياشي على يقين من أن مستقبل الاستثمار الأجنبي في الصين يكمن في هذه القطاعات الخضراء والذكية، ونحن مستعدون لدعمكم بكل احترافية وخبرة لتحقيق أقصى استفادة من هذه الموجة الجديدة. من تسجيل الشركة إلى تحسين الهيكل الضريبي، نرافقكم خطوة بخطوة. تواصلوا معنا، ودعونا نبني معاً شراكة تنتج طاقة نظيفة ومستدامة للجميع.