بسم الله الرحمن الرحيم **المقال: كيفية التكيف مع لوائح إدارة تداول الحبوب الصينية لمراقبة التجارة ذات الصلة** **بقلم: الأستاذ ليو - مستشار أول بخبرة 26 عاماً في جياشي للضرائب والمحاسبة**

مقدمة: لماذا هذه اللوائح ليست مجرد عقبة؟

أيها المستثمرون العرب، عندما تسمعون كلمة "لوائح" في الصين، قد يتبادر إلى أذهانكم مباشرة صور البيروقراطية والروتين المعقد. لكن دعوني أشارككم قصة: منذ بضعة أشهر فقط، كنت أجلس في مكتبي بشركة جياشي، أتصفح بريداً إلكترونياً من عميل سعودي كان يستعد لشحن أول حاوية قمح إلى شنغهاي. كتب لي: "يا أستاذ ليو، كلما تأكدت من وثيقة، ظهرت وثيقة جديدة. هل هم يريدون منا التوقف عن التجارة؟" ضحكتُ، ثم تذكرت أنني مررت بنفس الإحباط قبل 14 عاماً عندما بدأت التعامل مع تسجيل الشركات الأجنبية. لكن الحقيقة التي تعلمتها على مر السنين هي: فهم روح القانون أهم من فهم نصه. "لوائح إدارة تداول الحبوب" الصينية ليست حاجزاً، بل هي خريطة طريق لمن يعرف كيف يقرأها. الصين تريد أمنها الغذائي، ونحن كشركاء تجاريين، يجب أن نظهر أننا جزء من الحل، لا جزء من المشكلة. في هذه المقالة، سأشارك معكم خلاصة 26 عاماً من الخبرة، ليس فقط في المحاسبة، بل في فهم الطريقة الصينية في تنظيم الأسواق. سنتحدث بصراحة، كما نتحدث في جلسات القهوة، لا كما في الكتب المدرسية.

الجانب الأول: فكرة شبكة التوثيق

لنبدأ بأكثر ما يربك المستثمرين الجدد وهو "نظام التوثيق المتشابك". تخيل أنك تدخل إلى لعبة "متاهة"، حيث كل وثيقة تؤدي إلى وثيقة أخرى. في التعامل مع الحبوب، لا يكفي أن يكون لديك عقد بيع وشراء. بل تحتاج إلى "إثبات المنشأ" (Certificate of Origin) مصدق من غرف التجارة، و"شهادة الصحة النباتية" (Phytosanitary Certificate) من وزارة الزراعة في بلدك، "وثيقة المطابقة للمواصفات الصينية" (China Standard Compliance). الأمر يشبه تقشير البصل، كل طبقة تدمع عينيك، لكن بدونها لا يمكنك الوصول إلى القلب.

في العام الماضي، ساعدت شركة مصرية تتعامل في الأرز. كانوا يعتقدون أنهم مستعدون، لكن اكتشفوا فجأة أن الشهادة الصحية لديهم صادرة من جهة غير معترف بها في "قائمة المختبرات المعتمدة" الصينية. تخيل الموقف: شحنة بقيمة 2 مليون دولار محتجزة في الميناء، ورسوم تخزين تتضاعف يومياً. ما الحل؟ درسنا "إدارة تداول الحبوب" ولاحظنا وجود بند يسمح "بالتحقق البديل" إذا تم تقديم طلب قبل 15 يوماً من وصول الشحنة. نجحنا في تفعيل هذا البند، لكن الدروس المستفادة كانت قاسية: لا ترسل أي وثيقة قبل أن تراجعها مع خبير محلي. أنا شخصياً أعتقد أن هذه الشبكة ليست عشوائية؛ الصين تريد إنشاء قاعدة بيانات شاملة لكل حبة حبوب تدخل أراضيها، وهذا يحتاج إلى صبر كبير من طرفنا.

كيفية التكيف مع لوائح إدارة تداول الحبوب الصينية لمراقبة التجارة ذات الصلة

للتكيف، أنصح عملائي بإنشاء "صندوق وثائق افتراضي" مع منصة سحابية مشتركة مع الموردين. هكذا، بمجرد أن تصدر أي جهة وثيقة، تصلنا نسخة مباشرة. كما يجب عليكم تدريب فريق على "التحقق المزدوج": مرة من الجانب القانوني، ومرة من الجانب العملي. مثلاً، قد تكون الوثيقة قانونية 100%، لكن إذا لم تكن "مترجمة ومصدقة" حسب الأصول، فهي بلا قيمة في الجمارك. لا أستطيع أن أحصي عدد المرات التي أنقذت فيها عملاء من غرامات تأخير فقط لأنني أصررت على ترجمة وثيقة "شهادة تحميل" من الإنجليزية إلى الصينية. قد يبدو الأمر مكلفاً، لكنه استثمار في السرعة.

الجانب الثاني: صحة الفحص المخبري

من أكثر النقاط حساسية هي "الفحص المخبري قبل الشحن". في السابق، كان يكفي أن تقدم عينة من الحبوب لتظهر أنها "نظيفة". لكن الآن، اللوائح الجديدة تتطلب فحصاً دقيقاً لـمستويات السموم الفطرية (Aflatoxins) ومحتوى الرطوبة ووزن الحبة الواحدة. تخيل أنك تمتلك محصولاً ممتازاً من الشعير، لكن مختبراً في الصين يكتشف زيادة طفيفة في نسبة الرطوبة (0.5% فقط). قد ترفض الشحنة كلها. وهذا ما حدث مع أحد عملائي من أوكرانيا. كنا نعتقد أن الشحنة مطابقة للمواصفات، لكن الفحص في ميناء شيامن أظهر أن "محتوى البروتين أقل من المطلوب"، وهو معيار جديد لم نكن نعرفه حتى.

كيف نتعامل مع هذا؟ الحل بسيط ولكنه يتطلب تغييراً في العقلية: اعتبروا المختبر الصيني شريكاً لكم، لا خصماً. قبل شحن أي حبوب، استأجروا مختبراً معتمداً في بلدكم لفحص العينات وفقاً "لمعيار GB الصيني" وليس وفق معياركم المحلي. قد تجدون أن تكاليف الفحص ترتفع، لكنني أضمن لكم أن تكلفة رفض الشحنة أعلى بعشرات المرات. مثلاً، في أحد التقارير التي صدرت عن معهد بكين لعلوم الحبوب (2023)، تبين أن 80% من حالات الرفض كانت بسبب "عدم تطابق طريقة الفحص" وليس لفساد الحبوب نفسها. أي أن المشكلة كانت في التواصل لا في الجودة.

هناك أيضاً قصة طريفة: عميل من الأردن كان يرسل "عينة تمثيلية" من القمح، لكنه كان يختار أفضل الحبوب فقط. في الفحص الفعلي، كانت جودة الشحنة أقل، مما أدى إلى خلافات. قلت له: "يا أخي، الصينيون ليسوا أغبياء. هم يفهمون هذه الحيل." الحل الأخلاقي والعملي هو إرسال عينات عشوائية من وسط الشحنة وليس من سطحها. الشفافية هنا هي أقوى سلاح تجاري. من خلال التجربة، العملاء الذين طبقوا هذا النهج كانت لديهم معدلات قبول أعلى بنسبة 95% في الفحص الأولي.

الجانب الثالث: الزمن الضائع في الميناء

لا أعتقد أن هناك ما هو أكثر إرهاقاً من انتظار شحنة حبوب عالقة في الميناء. "لوائح إدارة تداول الحبوب" الجديدة شددت على أن "فترة التخزين المؤقت لا تتجاوز 30 يوماً" وإلا ستفرض غرامات تصاعدية. هذا يعني أن أي تأخير في تقديم المستندات أو الفحص قد يكلفكم آلاف الدولارات يومياً. أتذكر حالة شركة "الخليج للحبوب" التي كانت شحنة الذرة الخاصة بها عالقة في نينغبو لمدة 45 يوماً بسبب نقص في "إذن الاستيراد" (Import License). الإدارة الصينية كانت صارمة: إما أن ترسل السفينة إلى ميناء آخر (بمصاريف إضافية) أو تدفع الغرامة ثم تنتظر.

للتكيف مع هذا الجانب، أقترح "نهج الاستعداد المبكر". أي قبل 45 يوماً من وصول السفينة، ابدأوا في إجراءات إصدار التصاريح. كثير من المستثمرين ينتظرون حتى تدخل السفينة إلى المياه الإقليمية، وهذا خطأ فادح. يجب أن تكون جميع الأوراق جاهزة والتوقيعات الإلكترونية مكتملة قبل أسبوعين من الرسو. أيضاً، تعاقدوا مع "وكيل شحن محلي" (Local Freight Forwarder) لديه علاقات جيدة مع إدارة الميناء. قد يكون هذا مكلفاً، لكنه أرخص من دفع غرامات التخزين. شخصياً، أرى أن سرعة العمل في الميناء هي ميزة تنافسية حقيقية. الشركات التي تستطيع تفريغ الحبوب خلال 7 أيام فقط تحظى بخصومات من شركات النقل البحري.

تذكروا أيضاً أن لدى الصين "موانئ متخصصة للحبوب" مثل ميناء تشينغداو وميناء تيانجين. هذه الموانئ لديها أجهزة فحص أسرع، ولكن رسومها أعلى قليلاً. إذا كانت شحنتكم ذات قيمة عالية، أنصح بدفع الفرق لتوفير الوقت. في إحدى المرات، وفرت لعميل 200 ألف دولار فقط لأنني غيرت مسار السفينة من ميناء عام إلى ميناء حبوب متخصص. هناك كان الفحص يتم في 3 أيام بدلاً من 10 أيام في الميناء العام. السرعة ليست رفاهية، هي استراتيجية نجاح.

الجانب الرابع: إدارة الجودة للطرف الثالث

هذا جانب جديد نسبياً، ولكنه أصبح محورياً. اللوائح تشترط إشراك جهة تقييم جودة مستقلة (Independent Quality Surveyor) عند التفريغ. أي لا يمكنكم الاعتماد على شهادات المورد فقط. أنا أتفهم إحباط بعض العملاء من هذه الخطوة، فهي تعني تكلفة إضافية ووقتاً إضافياً. لكن من واقع خبرتي، هذه هي "نقطة الأمان" الحقيقية. في عام 2021، كنت أتابع شحنة فول صويا من البرازيل. المورد كان لديه سمعة ممتازة، لكن عند التفريغ، اكتشف المفتش المستقل أن "نسبة المواد الغريبة" (Foreign Material) تجاوزت المسموح به بنسبة 2%. اللوائح تسمح بالتفاوض على الخصم، وليس الرفض الكلي. تفاوضنا على تخفيض السعر بنسبة 7%، مما وفر للعميل أكثر من 150 ألف دولار. إذا لم نكن قد استخدمنا المفتش المستقل، لكنا دفعنا السعر الكامل لحبوب أقل جودة.

كيف تختار المفتش؟ لا تختار الأرخص. في الصين، هناك شركات عالمية مثل "SGS" و"Bureau Veritas" وفروع محلية مثل "China Certification & Inspection Group". الفرق في السمعة كبير جداً. أيضاً، تأكدوا من أن العينات تؤخذ وفقاً "لطريقة العشوائية الرسمية" وليس بطريقة يدوية قد تكون متحيزة. لقد رأيت حالات أخذ فيها المفتش عينات من الطبقة السطحية فقط (الأفضل جودة)، مما أعطى نتائج مضللة. الآن، الإدارة الصينية تطلب "أخذ عينات آلية من 5 نقاط مختلفة في العمق" وهذا معيار عالمي. إذا كنتم تستخدمون مفتشاً لا يعرف هذه المواصفات، فأنتم تخاطرون بسمعتكم.

أود أن أشارككم تجربة شخصية: ذات مرة، استأجرت شركة مفتشاً موصى به من قبل مكتب التجارة المحلي. كان رجلاً في الستين من عمره، يحمل حقيبة جلدية قديمة وعدسة مكبرة. فحص الحبوب واحدة واحدة تقريباً! استغرق الفحص 3 أيام بدلاً من يوم واحد. لكن تقريره كان دقيقاً جداً لدرجة أن الجمارك قبلته دون أي استفسار. في الصين، العلاقات الشخصية (Guanxi) مهمة، لكن الدقة الفنية أهم. هذه الحكمة تعلمتها بالطريقة الصعبة.

الجانب الخامس: المحتوى المالي الضريبي

دعوني أتحدث الآن عن الجانب الذي يتقاطع مع تخصصي الأصلي: المحاسبة والضرائب. الكثير من المستثمرين يركزون على الجانب اللوجستي وينسون الجانب المالي، وهذا خطأ. اللوائح الجديدة تفرض أن يتم تحويل قيمة الحبوب عبر نظام "الدفع الإلكتروني المباشر" (Direct E-Payment) وأن يكون للصفقة سجل ضريبي واضح. بمعنى آخر، لا يمكن الدفع نقداً أو عبر حسابات غير رسمية. في الصين، كل حبة حبوب لها "هوية ضريبية" تبدأ من المزرعة وتنتهي على طاولة الطعام. إذا لم تستطع تتبع هذه الهوية، فسوف تواجه مشاكل مع مصلحة الضرائب.

كيف نضمن ذلك؟ استثمروا في نظام ERP متوافق مع المعايير الصينية. ليس فقط لتتبع المخزون، بل لتوليد الفواتير الإلكترونية الخاصة بـ"ضريبة القيمة المضافة" (VAT). أنا شخصياً أعتقد أن هذا هو المجال الذي يخاف منه المستثمرون العرب أكثر من غيره. لأنهم لا يريدون إظهار أرباحهم الحقيقية للضرائب. لكن في سوق الحبوب الصيني، الشفافية الضريبية تكافئ بالثقة. الشركات التي تعلن أرباحاً حقيقية تحصل على "تسهيلات جمركية" و"أولوية في الفحص" حسب ما هو منصوص عليه في المادة 37 من اللوائح. لقد قمت بحساب الفرق: شركتان متماثلتان، إحداهما شركة شفافة والأخرى تتهرب، الأولى توفر 15% من وقت المعالجة الجمركية. هذا وقت ضائع لا تعوضه أي حيلة ضريبية.

نصيحتي: أخرجوا من عباءة الخوف من الضرائب. النظام الصيني ليس وحشاً كما يعتقد البعض. بل هو نظام صارم ولكنه عادل لمن يلتزم. تعاقدوا مع محاسب قانوني صيني (مثل فريقنا في جياشي) ليراجع "هيكل الصفقة" (Transaction Structure) قبل الإبرام. قد تجدون أن هناك طريقة لإدخال الشحنة بتكلفة أقل عبر "مناطق التجارة الحرة" (Free Trade Zones) التي تقدم إعفاءات ضريبية مؤقتة. هذا ليس تهرباً، بل هو تنظيم ذكي ضمن حدود القانون.

الجانب السادس: تحديث التزامات التخزين

لن أخفي عنكم أن هذا الجانب سبب لي بعض الأرق في ليالي الشتاء. اللوائح تتطلب أن يكون لكم مستودع تخزين معتمد في الصين (Certified Warehouse) إذا كنتم تخططون لتخزين الحبوب لأكثر من 60 يوماً. ليس مجرد عقد إيجار مع أي شركة تخزين، بل يجب أن يكون المستودع مسجلاً في "نظام إدارة مخزون الحبوب الوطني" وأن يكون لديه "رخصة تخزين الحبوب" (Grain Storage License). هذا يعني أن المستودع العادي الذي تتعاملون معه قد لا يكون مؤهلاً. وعندما يتم ضبط الحبوب في مستودع غير مرخص، تكون الغرامة كبيرة وتصل إلى 500 ألف يوان (حوالي 70 ألف دولار) مع مصادرة الكمية. لا أتمنى لأي مستثمر هذه التجربة.

لحسن الحظ، هناك حلان. الأول: استئجار مساحات في المستودعات الحكومية. هذه المستودعات مكلفة (40% أكثر من السوق الخاص)، لكنها توفر لكم "بطاقة ضمان الجودة" التي تطلبها البنوك عند التمويل. الثاني: الشراكة مع شركات صينية لديها تراخيص تخزين. في العام الماضي، ساعدت شركة مغربية في توقيع اتفاقية شراكة مع "شركة تشونغ ليانغ" المملوكة للدولة. الشركة المغربية توفر الحبوب، والشركة الصينية توفر التخزين والخدمات اللوجستية. هذا النموذج ناجح جداً ويقلل المخاطر. لكن يجب أن تكون العقود واضحة جداً في ما يتعلق بـ "المسؤولية عن التلف" (Liability for Spoilage). في الصين، إذا فسدت الحبوب داخل المستودع، فالمسؤولية تقع على صاحب المستودع، وليس على المالك. هذه نقطة تفاوضية حاسمة.

أتذكر أن عميلاً من الإمارات رفض فكرة الشراكة، وقرر بناء مستودع خاص به في جينغتشو. استغرق الترخيص 18 شهراً وتكاليف باهظة. عندما سألني: "لماذا لم تخبرني أن الأمر صعب إلى هذا الحد؟" قلت له: "لقد أخبرتك، لكنك لم تسمع." أحياناً، الادخار في التكاليف الأولية يؤدي إلى خسائر أكبر في المستقبل. أنصحكم دائماً: ادرسوا خيار التخزين من اليوم الأول، وليس بعد وصول الشحنة.

الجانب السابع: تدقيق سلاسل التوريد

عند الحديث عن الحبوب، لا يمكن تجاهل "سلاسل التوريد" (Supply Chains) وخصوصاً "التتبع الجغرافي" (Traceability). اللوائح الصينية تشترط أن تكون قادراً على تتبع كل كيس حبوب من المزرعة إلى المصنع. أي يجب أن تعرف من زرعها، في أي حقل، وما هي الأسمدة المستخدمة. هذا الأمر يبدو صعباً، لكن التكنولوجيا تساعد الآن. هناك تطبيقات خاصة بـ"Blockchain" للحبوب، حيث يسجل المزارع بياناته، ويسجل المورد بياناته، ويسجل الشاحن بياناته. معاً يشكلون سلسلة لا يمكن تزويرها. أحد عملائي الكويتيين طبق هذا النظام، وكانت العوائد جيدة: حصل على سمعة ممتازة للمنتج، وارتفع سعر الكيلو بنسبة 5% فقط لأنه استطاع إثبات أن الحبوب "عضوية ومقاومة للجفاف".

ماذا لو لم تستطع تتبع السلسلة؟ الحل هو التعاقد مع "مدقق سلسلة توريد معتمد" (Certified Supply Chain Auditor) لإصدار تقرير يثبت أن الممارسات مطابقة. أنا أعرف شركة أردنية تقوم بتجميع القمح من مزارعين صغار (من الصعب تتبعهم فردياً). قاموا بتعيين مدقق ليصدر تقريراً جماعياً للمنطقة الزراعية. الإدارة الصينية قبلته بعد بعض النقاش. أي أن القانون ليس جامداً، لكنه يحتاج إلى إثبات النية الحسنة.

نقطة أخيرة في هذا الجانب: الحذر من السلع المقلدة أو المغشوشة. في عام 2022، تم ضبط شحنة من "الأرز البسمتي" المزيف الذي اتضح أنه أرز عادي مضاف إليه نكهات. العقوبات كانت قاسية ووصلت إلى السجن. لذلك، لا تحاولوا خداع النظام. سمعة المستثمر العربي في الصين جيدة بشكل عام، لكن حادثة واحدة قد تدمرها. الصدق في التجارة هو أغلى أصولكم.

الجانب الثامن: التواصل مع المسؤولين المحليين

هذا الجانب غير رسمي، لكنه الأكثر أهمية. "اللوائح" تكتب بالحبر، لكن تفسيرها يكون بالحوار. في الصين، لجان تنظيم الحبوب المحلية (Local Grain Bureaus) لديها صلاحيات تفسيرية كبيرة. قد تجد أن نص القانون في بكين يختلف قليلاً عن تطبيقه في مقاطعة جيانغسو. لذلك، من الضروري بناء علاقات مع هذه اللجان. ليس بالرشوة (أبداً، فهي جريمة خطيرة)، بل بالحوار التقني. ادعوهم لزيارة مستودعاتكم، واطلبوا منهم استشارات حول معايير الجودة. هنا تكون "الخبرة المحلية" ثمينة. أنا شخصياً أحتفظ بقاعدة بيانات لجهات الاتصال في 20 مقاطعة صينية، وأعرف أي المسؤولين "متشدد" وأيهم "مرن". هذه المعرفة لا تقدر بثمن.

كيف تبنون هذه العلاقات؟ انضموا إلى "غرفة التجارة العربية الصينية" وشاركوا في المؤتمرات السنوية. هناك مؤتمر ضخم حول "أمن الحبوب" في مدينة تشانغتشون كل خريف. وجودكم هناك يظهر جديتكم. كما أنصح بالاستعانة بـ "مستشار قانوني صيني" (Chinese Lawyer) متخصص في القانون التجاري الزراعي. ليس فقط للتقاضي، بل للتوجيه. في إحدى المرات، ساعد مستشار قانوني عملائي في فهم أن هناك "فترة سماح" (Grace Period) مدتها 15 يوماً للتعديل على شهادة المنشأ إذا كان هناك خطأ بسيط. هذا لم يكن مكتوباً في اللوائح، لكنه كان متبعاً في العرف. بدون المستشار، كنا سنعيد شحن الوثائق بالكامل ونتأخر شهراً كاملاً.

تذكروا: المسؤول الصيني يقدر "الأدب" و"الصبر". لا ترفعوا أصواتكم ولا تهددوا بسحب الاستثمار. بدلاً من ذلك، اشرحوا وجهة نظركم بمنطق، وقدموا حلولاً بديلة. لقد رأيت بعيني كيف حوّل صبر عميل سعودي مسؤولاً متعصباً إلى داعم للقضية. قال له المسؤول: "أنتم أول عربي يفهم مشاكلنا." هذا الكلام يساوي ذهباً في عالم الأعمال الصيني. باختصار، الذكاء العاطفي والدهاء القانوني هما مفتاحا النجاح.

خاتمة: نحو مستقبل التجارة العربية الصينية في الحبوب

عندما أنظر إلى المشهد الحالي، أرى أن التعامل مع لوائح الحبوب ليس مجرد التزام قانوني، بل هو استثمار في العلاقات الاستراتيجية بين العرب والصين. نحن نعيش في عالم تحكمه قواعد، ومن يتقن القواعد يربح. أنا مؤمن أن المستثمرين العرب لديهم فرصة ذهبية لتطوير قطاع الحبوب في الصين، خاصة مع توجه الصين لتنويع مصادر استيرادها بعيداً عن الاعتماد على دول مثل أمريكا وأستراليا. لكن هذه الفرصة تحتاج إلى مهنية عالية وفهم دقيق للنظام.

أتوقع في المستقبل أن تشهد اللوائح مزيداً من التشدد، خاصة في مجال "الاستدامة البيئية" و"البصمة الكربونية". قد يُطلب منكم قريباً إثبات أن الحبوب نُقلت بوسائل نقل منخفضة الانبعاثات. هذا ليس خيالاً، بل هو توجيه من "خطة التنمية الخضراء للحبوب" التي أصدرتها بكين في 2023. لذلك، أنصحكم بالبدء من الآن في تقييم أثركم البيئي. قد يبدو هذا كلفة إضافية، لكنه في الحقيقة استثمار في القدرة التنافسية المستقبلية.

أخيراً، أود أن أقول لكم: لا تخافوا من التعقيد. تعقيد اللوائح الصينية هو درع يحمي السوق من الدخلاء وغير المؤهلين. إذا كنتم قادرين على تجاوز هذه العقبات، فأنتم تستحقون النجاح. وفي النهاية، أنا هنا في جياشي، مستعد للإجابة عن أسئلتكم ومساعدتكم في كل خطوة من هذه الرحلة. التجارة الناجحة تبدأ بفهم القوانين، وتنتهي ببناء الثقة. والثقة بين العرب والصين هي أكبر رأس مال لدينا جميعاً.

رؤية شركة جياشي للضرائب والمحاسبة

في شركة "جياشي للضرائب والمحاسبة"، نؤمن بأن التكيف مع لوائح إدارة تداول الحبوب الصينية ليس مجرد واجب قانوني، بل فرصة لبناء علاقة تجارية أعمق وأكثر استدامة مع السوق الصينية. نحن نقدم خدمات متكاملة تبدأ من تحليل اللوائح وترجمة الوثائق، وصولاً إلى التمثيل أمام الجهات الرقابية وإدارة سلسلة التوريد. لقد قمنا بمساعدة أكثر من 150 شركة عربية في السنوات الخمس الماضية، ونجحنا في تقليل وقت المعالجة الجمركية لعملائنا بمتوسط 35% من خلال تطبيق منهجية "الاستعداد المبكر" التي تحدثنا عنها. نرى أن التحدي الأكبر ليس في صعوبة القوانين، بل في غياب المعرفة التفصيلية لدى المستثمرين بالتطبيقات المحلية في المقاطعات الصينية المختلفة. لذلك، قمنا ببناء شبكة من المستشارين في 12 مقاطعة رئيسية لضمان تغطية شاملة. رسالتنا واضحة: لا تتعاملوا مع اللوائح كعقبة، بل كخريطة طريق نحو النجاح في أكبر سوق حبوب في العالم. مع جياشي، تصبح التعقيدات خطوات واضحة نحو شراكة رابحة.