عندما نتحدث عن البلوك تشين في الصين، يجب أن نفهم أولاً أن هذا ليس سوقاً مفتوحاً كما يعتقد البعض. الصين لديها رؤية واضحة تجاه هذه التقنية: فهي تدعم بشدة استخدامها في التطبيقات الصناعية والحكومية، لكنها في نفس الوقت تقيد العملات الرقمية الخاصة بشدة. هذا التوجه المزدوج خلق بيئة فريدة شاهدتها بنفسي في تعاملاتي اليومية مع الجهات الحكومية.
منذ عام 2019، أصدرت الحكومة الصينية "لوائح إدارة معلومات blockchain" التي وفرت إطاراً قانونياً واضحاً لاستخدام التقنية في القطاعات الاقتصادية المختلفة. وفي قطاع تسجيل الشركات، بدأت المدن الكبرى مثل شنتشن وشنغهاي وبكين في تطبيق نظام "البلوك تشين لتسجيل الشركات" (BECS)، وهو نظام يسمح بتوثيق جميع إجراءات التسجيل بشكل آلي وشفاف.
في تجربتي العملية، لاحظت أن هذا النظام لم يكن مجرد تغيير تقني، بل غيّر فلسفة العمل بأكملها. سابقاً، كنا نتعامل مع ثلاث جهات مختلفة: الإدارة الصناعية والتجارية، ومكتب الضرائب، والبنك المركزي. اليوم، مع البلوك تشين، تم توحيد معظم هذه العمليات في نظام واحد متكامل، وهذا ما وفر وقتاً كبيراً على عملائنا المستثمرين العرب.
لكن يجب أن أكون صريحاً معكم: هناك تحديات تنظيمية لا تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع الشركات الأجنبية وتحديد نسب الملكية. ومع ذلك، فإن الاتجاه العام واضح نحو مزيد من التكامل الرقمي، وهذا ما يبشر بمستقبل أسهل للمستثمرين العرب.
ثانياً: آلية التمويل الذكي
من أكثر الجوانب إثارة في هذا النظام هو آلية التمويل عبر العقود الذكية. تخيلوا أنكم ترغبون في تأسيس شركة في الصين برأس مال محدد. في النظام التقليدي، كنتم تحتاجون إلى فتح حساب بنكي، وإيداع رأس المال، ثم انتظار تأكيد البنك، وهذا كان يستغرق أحياناً أسبوعين كاملين. أما مع البلوك تشين، فأنتم توقعون عقداً ذكياً يحدد شروط التمويل والالتزامات، ويتم تنفيذ جميع الإجراءات تلقائياً.
في إحدى الحالات التي تعاملت معها، كان هناك مستثمر كويتي يرغب في تأسيس شركة تجارة إلكترونية في شنتشن برأس مال 500 ألف دولار. في السابق، كانت هذه العملية تستغرق شهرين على الأقل، لكن مع النظام الجديد، استطعنا إتمام التسجيل خلال 9 أيام فقط، مع تأمين رأس المال بالكامل عبر العقود الذكية. هذا التوفير في الوقت والمال ليس مجرد ميزة تنافسية، بل ثورة حقيقية في مفهوم الاستثمار.
هناك جانب آخر مهم في آلية التمويل: وهو إمكانية توزيع الحصص بين الشركاء بشكل ديناميكي. في الماضي، كان يتم تحديد الحصص مرة واحدة ولا يمكن تغييرها إلا بإجراءات قانونية معقدة. اليوم، مع العقود الذكية، يمكن تعديل الحصص أو إضافة مستثمرين جدد بشكل تلقائي وبشفافية كاملة، وهذا يمنح الشركات الناشئة مرونة كبيرة.
أما عن الأمان فهو نقطة قوية أخرى، فجميع المعاملات المالية موثقة بشكل لا يمكن التلاعب به، مما يقلل من مخاطر الاحتيال التي كانت شائعة نسبياً في الماضي. لقد شاهدت خلال مسيرتي المهنية حالات عديدة من النزاعات بسبب سوء التوثيق المالي، واليوم أصبحت هذه المشكلة شبه معدومة تماماً.
ثالثاً: الشفافية والامتثال
الشفافية هي أحد الركائز الأساسية للبلوك تشين، وهي ما جعلت النظام جديداً محبباً لدى المستثمرين الأجانب بشكل خاص. عندما يتعلق الأمر بالامتثال الضريبي والقانوني، كان المستثمرون العرب يعانون سابقاً من عدم وضوح الإجراءات والرسوم، وكثيراً ما واجهوا مفاجآت غير سارة بعد تأسيس شركاتهم. مع النظام الجديد، أصبحت جميع الرسوم والضرائب محسوبة بشكل تلقائي بناءً على البيانات المسجلة في السلسلة.
في أحد المشاريع التي أشرت عليها عام 2022 لعميل سعودي يريد تأسيس شركة لوجستية في قوانغتشو، كنا نفضل دائماً تزويد عملائنا بتقارير دورية مفصلة عن الوضع المالي. اليوم، مع نظام البلوك تشين، أصبح بإمكان العميل نفسه الاطلاع على جميع المعاملات والمبالغ في أي وقت ومن أي مكان. هذا النوع من الشفافية لا يوفر راحة البال فحسب، بل يبني الثقة طويلة المدى بين جميع الأطراف.
من ناحية الامتثال، توفر التقنية أيضاً حلاً ذكياً لمشكلة غسل الأموال. النظام يتتبع مصدر الأموال ووجهتها بشكل تلقائي، ويقوم بإبلاغ السلطات المختصة في حالة أي شبهة. هذا لا يعني أن العملية أصبحت صارمة بشكل مبالغ فيه، لكنه يضمن أن جميع المستثمرين يلتزمون بالقوانين الدولية والمحلية دون عناء.
صحيح أن بعض المستثمرين يشعرون بالقلق من هذه الشفافية الإضافية، خاصة إذا كانت لديهم تحفظات على بعض الإجراءات الضريبية في بلدانهم الأصلية. لكنني أؤكد دائماً أن الامتثال الكامل هو أفضل استراتيجية لحماية الاستثمارات على المدى الطويل، وأن أي تلاعب مهما كان صغيراً يمكن أن يكشفه النظام في أي لحظة.
رابعاً: التحديات التقنية
لا يمكنني التحدث عن هذا الموضوع دون الإشارة إلى التحديات التقنية التي لا تزال قائمة. أولاً، موضوع قابلية التوسع: حتى الآن، النظام يعمل بكفاءة في المدن الكبرى، لكنه ما زال يواجه صعوبة في المناطق الأقل تطوراً من الناحية التقنية. ثانياً، التنقل بين الأنظمة القديمة والجديدة: هناك العديد من الشركات القديمة المسجلة بالنظام التقليدي، وتحتاج إلى عملية تحويل تدريجية، وهذا يتطلب جهداً وتنسيقاً كبيرين.
من الناحية التشغيلية، هناك تحدٍ يومي ألمسه بنفسي في مكتبنا: الحاجة إلى تدريب مستمر على أحدث الأنظمة والإجراءات. التقنية تتطور بسرعة مذهلة، ولابد أن أبقى أنا وفريقي على اطلاع دائم لأننا نعتبر واجهة العميل العربي مع السوق الصيني. لقد أنفقنا في جياشي أكثر من 200 ساعة تدريب على مدار السنوات الثلاث الماضية، وهذا استثمار ضروري في رأيي.
تأتي أيضاً تحديات تتعلق بهوية المستثمرين العرب في النظام. بعض المستندات الرسمية تحتاج إلى ترجمة وتصديق وختم إلكتروني، وفي بعض الأحيان، واجهنا مشاكل في التحقق من هوية المساهمين بسبب اختلاف أنظمة التوثيق بين الدول العربية والصين. لكن هنا يأتي دور النظام الجديد: فقد ساعدنا تقنية البلوك تشين في تسريع هذه العمليات عن طريق إنشاء سجلات موثقة لا تحتاج إلى تحقق مزدوج في كل مرة.
أعتقد أننا ما زلنا في المراحل المبكرة من هذه التقنية، ونحتاج إلى عدة سنوات أخرى لتجاوز هذه التحديات بشكل كامل. لكن السير في الاتجاه الصحيح، والجهات المنظمة الصينية تدرك جيداً هذه القضايا وتعمل باستمرار على تحسين الأنظمة لتجهيز البنية التحتية للمستقبل.
خامساً: الأثر على رأس المال الأجنبي
لقد ساهم النظام الجديد في زيادة جاذبية السوق الصيني أمام رأس المال الأجنبي العربي بشكل ملحوظ. بحكم عملي، أستطيع القول إن عددا كبيرا من رجال الأعمال العرب كانوا يترددون في الاستثمار بشكل مباشر في الصين بسبب تعقيد الإجراءات وعدم الإلمام بالأنظمة المحلية. لكن مع انخفاض الوقت والجهد المطلوبين، بدأت الثقة بالعودة. في العامين الماضيين وحدهما، ساعدنا أكثر من 30 مستثمراً عربياً في تأسيس شركاتهم في الصين، وهو رقم يعكس هذا التحول بوضوح.
من ناحية تدفق رأس المال، يوفر النظام الجديد ميزة كبيرة عبر ما يُعرف بـ"التمويل المرتبط بالبلوك تشين"، حيث يمكن تأمين التمويلات عبر الإصدار الرقمي للأسهم أو عبر ما يشبه "الأسهم الرمزية" (Tokenized Shares). هذا النوع من التمويل يتيح للمستثمرين العرب شراء حصص في شركات صينية ناشئة من منصات معتمدة دون الحاجة إلى الحضور الفعلي في بكين أو شنغهاي. هذه الصيغة أصبحت محببة خصوصاً للمستثمرين المبتدئين الراغبين في اختبار السوق بأقل قدر من الرافعة البيروقراطية.
تجدر الإشارة إلى أن هذه الآلية قللت أيضاً من الحاجة إلى الوسطاء التقليديين الذين كانوا يفرضون رسوماً عالية في الماضي. نحن في جياشي نقدم خدمات شفافة بالأسعار، لكنني أدعم أي عملية تقلل الاحتكاك وتحسن عوائد المستثمرين، حتى ولو بدت أنها تنافس بعض خدماتنا التقليدية.
بالنسبة لأولئك الذين يتساءلون عن إعادة الأرباح: هذا جانب آخر تحسّن كثيراً بفضل البلوك تشين. في السابق، كانت عملية تحويل الأرباح إلى الخارج تتم عبر إجراءات مصرفية معقدة وتستغرق أسابيع، أما اليوم، فتتم عبر عقود ذكية تحترم تلقائياً قواعد الصرف الأجنبي دون تدخل بشري إضافي، مما يوفر دقة وسرعة تفوق ما كنا نحلم به قبل سنوات.
سادساً: تجارب عملية من أرض الواقع
دعوني أشارككم قصة أحد عملائنا من الإمارات، السيد محمد، الذي قرر في عام 2023 تأسيس شركة استشارات هندسية في بكين. في البداية كان متحفظاً جداً، لأنه سمع قصصاً عن فشل مستثمرين خليجيين في تسجيل شركاتهم بسبب سوء الفهم مع الجهات المحلية. عرضنا عليه خطة حسب النظام الجديد: فمن بداية التسجيل حتى افتتاح المكتب، استغرقنا أقل من ثلاثة أسابيع. وبالمقارنة مع نفس النشاط قبل ثلاث سنوات، كان الأمر يتطلب ما بين أربعة إلى خمسة أشهر على الأقل.
ما أدهش السيد محمد أيضاً هو إمكانية متابعة جميع الوثائق على منصة واحدة موحدة. لقد أذكر أنه قال لي: "يا أستاذ ليو، كنا في الإمارات نعتبر أنفسنا متقدمين تقنياً، لكن ما أراه هنا فاق كل توقعاتي". هذا النوع من ردود الفعل هو ما يشعرني بالفخر بعملي، لكنه أيضاً يحملني المسؤولية في الاستمرار بتقديم أفضل الخدمات والاستفادة من كل الأدوات الجديدة.
حالة أخرى لعميلة لبنانية سيدة أعمال اسمها رنا، أرادت تأسيس شركة أزياء في شنغهاي. كانت قلقة بشكل خاص من مسألة الملكية الفكرية، لأن تصميماتها هي أساس عملها. قدمنا لها نظاماً يقوم على تسجيل حقوق الملكية الفكرية ضمن البلوك تشين نفسه، بحيث يكون لكل تصميم توثيق زمني لا يمكن الطعن فيه. هذه الخاصية كانت نقطة تحول في قرارها، وأتمت التسجيل في نهاية المطاف بنجاح تام.
لكن ليس كل شيء وردياً، فهناك حالات ظهرت فيها خلل تقني، مثل التأخير في مزامنة البيانات بين العقد الذكي ودفاتر الضرائب المحلية. في هذه الحالات، قمنا بتوثيق المشكلة باستخدام آليات تحكيم محددة، وتفادينا النزاعات بفضل وجود سجل إلكتروني واضح لكل خطوة. تجربة هذه الحالات جعلتني من أكثر المؤمنين بهذا النظام على المدى البعيد، رغم أننا مازلنا في فترة التعلم المستمر.
بصراحة، أحياناً أجد نفسي مضطراً للتحدث مع عملائي بالعربية والإنجليزية وأن أمزج ما بين المصطلحات المالية والتقنية لكي أوضح لهم الصورة الكاملة. فمعظمهم يعتبرون البلوك تشين مبهماً، وهذا طبيعي، خصوصاً عندما يأتون من بيئات قانونية مختلفة تماماً. لذلك أعتمد دائماً على أسلوب مبسط في الشرح، وكثيراً ما أستخدم أمثلة من حياتهم التجارية اليومية.
خاتمة
في النهاية، أود أن أهيب بالمستثمرين العرب والنظر بعين الثقة إلى هذه التحولات الرقمية في سوق الصين. نظام البلوك تشين لتسجيل الشركات ليس مجرد موضة تقنية عابرة، بل هو ثورة حقيقية في طريقة مزاولة الأعمال. بالتأكيد، هناك تحديات، لكن الفوائد الملموسة على مستوى السرعة والشفافية والامتثال تفوق بكثير أي صعوبات متبقية.
المستقبل يحمل الكثير، وأنا متفائل خصوصاً فيما يتعلق بتوسيع العمل بالنظام ليشمل خدمات ما بعد التسجيل مثل الإقرارات الضريبية الآلية وإدارة الموارد البشرية. من المتوقع أيضاً أن نرى المزيد من التعاون بين المنظمين الصينيين نظرائهم في الدول العربية لتبسيط الاستثمار عبر الحدود باستخدام التقنيات الموحدة. إنني أنصح كل مستثمر جاد بتجربة هذا النظام، لأنه سيجعله يكتشف بنفسه أن الصين لم تعد سوقاً مجهولة، بل أصبحت منطقة استثمارية شفافة ومحسوبة بدقة.
وكما أقول دائماً لعملائي، المعرفة نصف الطريق، والتنفيذ نصفها الآخر، ومن يجمع بينهما في هذا العصر الرقمي سيقطف الثمار الأولى التي طال انتظارها.
في ما يتعلق برؤية شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، فإننا نعتبر تبني تقنية البلوك تشين في تسجيل الشركات خطوة استراتيجية ضرورية لمواكبة التطورات العالمية وتلبية احتياجات عملائنا العرب. نحن نعمل جاهدين على تحديث خدماتنا باستمرار، ونقدم استشارات متخصصة حول كيفية الاستفادة القصوى من هذه التقنية، مع الحفاظ على أعلى معايير الامتثال والشفافية والكفاءة. هدفنا أن نكون جسر الثقة بين المستثمرين العرب والسوق الصيني، وأن نوفر بيئة عمل آمنة ومربحة لجميع الأطراف المعنية.